خطر "إسرائيل" على الأمن القومي "المصري والعربي"
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمما ينبغي التنبُّه له أن إسرائيل تُعد التهديد الأساسي للأمن القومي المصري والعربي؛ إذ أنها لم توجد في هذه المنطقة العربية إلا لتكون في خدمة المصالح الغربية، وأداة لإضعاف الأمة العربية واستنزاف مواردها وطاقاتها، وشغلها عن طريق الحروب والصراعات العسكرية المتتالية عن التقدم والتنمية.
ولو نظرنا إلى مظاهر خطر إسرائيل على مصر خاصة -والدول العربية مِن بعدها- لوجدناها كثيرة، منها: أن تهديد أمن مصر عبْر تاريخها الطويل يأتي غالبًا مِن بوابتها الشمالية الشرقية (سيناء)؛ لذا حرص حكام مصر خلال تاريخ مصر الطويل على التصدي أولًا بأول للأخطار القادمة مِن مشارف هذه البوابة، بل والعمل على القضاء عليها قبْل أن يمتد خطرها إلى داخل مصر؛ فعل ذلك "تحتمس" أيام الفراعنة مع الحيثيين فطاردهم حتى دخل بلادهم ليستأصل خطرهم، وفعل ذلك "صلاح الدين" -رحمه الله- في حروبه مع الصليبيين، وفعل ذلك "قطز" -رحمه الله- مع المغول؛ لذا شهدت مشارف هذه البوابة الشمالية الشرقية العديد مِن المعارك في تاريخ مصر، وخاضت جيوش مصر خارجها -أو بالقرب منها- معاركها الكبيرة الفاصلة، وهذا ما أشار إليه (جمال حمدان) عندما تحدث عما ما يمكن تسميته بـ(معادلة أمن مصر).
إن إسرائيل منذ نشأتها دولة استعمارية توسعية، وأطماعها في المنطقة العربية معروفة، وقادتها يقولونها صراحة: "مِن الفرات إلى النيل أرضك الموعودة يا إسرائيل!"، وهذا موجود علانية على جدران الكنيست فيها، ومرسوم بالألوان على علمها صراحة!
ويجب ألا ننسى أن إسرائيل قبْل ذلك -وبعده- تتبع ما قامتْ به أمريكا -التي تتولى حاليًا رعايتها وتتحالف معها تحالفًا إستراتيجيًّا- عندما أقامتْ دولتها على إبادة "الهنود الحمر" الذين لا تعترف بهم شعبا، ولا تنظر إليهم على أنهم أصحاب الأرض التي اغتصبوها منهم، وأقاموا عليها دولتهم "أمريكا"، وهو ما تفعله إسرائيل مع الفلسطينيين، وكأن التاريخ يعيد نفسه في القرن العشرين والحادي والعشرين.
إن إسرائيل شاركتْ -مِن قبْل- إنجلترا وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، في وقتٍ كانت هناك هدنة دائمة موقعة بيْن مصر وإسرائيل عقب حرب 1948م، وكانت مصر في تلك الفترة -لظروفٍ داخلية- لا تضع المواجهة مع إسرائيل في أولوياتها، أي لم يكن هناك مبرر لاحتلال إسرائيل لسيناء في 1956م إلا ما تحمله -وقامتْ عليه- إسرائيل مِن أطماع في المنطقة، فهي قوة توسعية استيطانية استعمارية.
ولما لم نضع ذلك في اعتباراتنا ولم نستوعب الدرس؛ تكرر العدوان على سيناء، وفقدنا سيناء مرة أخرى في حرب 1967م، وما زالت إسرائيل إلى اليوم تطمع في سيناء، بل وتجعل الاستيلاء على سيناء هدفًا مِن أهدافها؛ فهي:
- جزء -في زعمهم الكاذب- مِن أرض اليهود التاريخية!
- احتلالها وسيلة لعزل وفصل مصر -بل والعالم العربي في إفريقيا- عن العالم العربي في آسيا، فلا يكون هناك تواصلًا بيْن الطرفين مباشرًا.
- إن سيناء يمكن أن تكون -في زعمهم- حلًّا للقضية الفلسطينية بجعلها -أو جزءٍ منها- وطنًا بديلًا للفلسطينيين، وهذا داخل في تخطيطهم، وسيناريو مِن السيناريوهات التي يرونها، ويعلنونها مِن وقتٍ لآخر.
- إن إسرائيل كيان توسعي منذ نشأته لا يؤمَن جانبه، وتدل الشواهد التاريخية العديدة على ذلك؛ فما مِن هدنةٍ أو اتفاقيةٍ وترى مصلحتها التوسعية في انتهاكها إلا وانتهكتها بالفعل، واحتمال عدم الالتزام بما توقعه وارد بدعوى وتبريرات تتعلق بمصالحها الأمنية، وبقراءةٍ سريعة لقرارات الأمم المتحدة منذ عام 1949م وإلى اليوم نرى عشرات القرارات التي صدرت مِن المنظمات الدولية ضد إسرائيل لا تنفذها، بل وتتحدى المجتمع الدولي الذي أصدرها علانية.
- إن تصريحات العديد مِن قادة ومسئولي إسرائيل "خاصة المنتمين لليمين المتطرف هناك" تهدد دول المنطقة، وتتوعد بحروبٍ واعتداءاتٍ حتى مع مصر، رغم اتفاقية "كامب دافيد" و"معاهدة السلام"، وهي تهديدات وتصريحات يجب أن تُؤخذ مأخذ الجد في عالم السياسة والأمن القومي، خشية أن تكون اتفاقيات الهدنة أو السلام أو حالة الهدوء مِن إسرائيل في المنطقة هي أهداف مرحلية ومواقف تكتيكية، والهدف الإستراتيجي الأكبر "وهو تحقيق أطماع إسرائيل الكبرى في المنطقة بمباركة الغرب ودعمه" ما زال قائمًا ينتظر تهيئة الظروف المناسبة للوصول إليه عبْر ما يطرأ على المنطقة مِن أحداثٍ وتطوراتٍ تصب في غالبها في مصلحة الأطماع الإسرائيلية في المنطقة العربية.
- إن القيادات السياسية الفلسطينية اختارت التفاوض طريقًا لحل القضية الفلسطينية وإنهاء النزاع مع إسرائيل، وأسقطت خيار الكفاح المسلح ضدها، وعقدت اتفاق (أوسلو) مع إسرائيل ولبَّت الكثير والكثير مِن مطالبها وشروطها للتفاوض أمام المجتمع الدولي منذ عام 1993م وما تلاها، ورغم ذلك كله لم تلتزم إسرائيل معها بما تنتظره منها، واتخذت إسرائيل الكثير من الإجراءات الأحادية التي تصب في مصالح إسرائيل دون أدنى اعتبار للفلسطينيين، بل تضر مصالح الفلسطينيين ضررًا كبيرًا، وتؤثر على أحوالهم المعيشية تأثيرًا بالغًا مِن: تهويد واستيطان، وحصار وعزل وتجويع، واعتقال وحبس، واعتداءات عسكرية، واستعمال للقوة المفرطة في مواجهة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، حتى صار الجميع يرى أن حلم السلام في المنطقة -بل مجرد التفاوض عليه- هو وهمٌ مِن الأوهام الكبيرة؛ بسبب تعنت إسرائيل وتشددها.
إن الأطماع الإسرائيلية في منطقتنا العربية حقيقة تاريخية مسلم بها وإن تجاهلناها، صرح بها مرارًا القادة التاريخيون لإسرائيل منذ نشأتها، فإسرائيل عندهم دولة لا حدود دولية معلنة لها؛ لأنها عندهم قابلة للتمدد بحسب حاجتها وقدراتها.
يقول بن جوريون في مذكراته: "أمامكم الإعلان الأمريكي للاستقلال ليس به أي ذكر لحدود أرضية، ولسنا ملزمين بتعيين حدود للدولة".
ويقول في مذكراته أيضًا: "لسنا مضطرين لرسم حدود الدولة".