خطر "إسرائيل" على الأمن القومي "المصري والعربي"
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
ويقول في كتابه: (بعث إسرائيل ومصيرها): "ليست المسألة مسألة احتفاظ بالوضع الراهن، فعلينا أن نقيم دولة غير متجمدة، دولة ديناميكية تتجه إلى التوسع" (راجع: (ملف إسرائيل) لروجيه جارودي، ص 149-150) .
ويقول موشى ديان في يوليو 1968م: "في المائة عام الماضية قام شعبنا بإنشاء هذه البلاد وهذه الأمة، وعمل على توسيع نطاقها باستقدام عددٍ متزايد مِن اليهود، وبإنشاء مزيدٍ مِن المستعمرات لتوسيع حدودنا. وليعلم كل يهودي أن هذه العملية لم تنتهِ، وأننا لم نبلغ نهاية الطريق".
ويقول أيضًا: "إذا كنا نعتبر أننا شعب التوراة فلا بد مِن امتلاك أرض التوراة أيضًا".
وفي عام 1969 قالت "جولدا مائير": "حيث سنقيم ستكون هناك حدودنا".
وفي يوليو 1972م سئلت "جولدا مائير": "ما هي حدود الأراضي التي تعتبرونها ضرورية لأمن إسرائيل؟ فأجابت: إذا كنت تريد أن تقول إنه يتعين علينا أن نرسم خطًّا لحدودنا؛ فهذا أمر لم نفعله، وسننفذه عندما يجيء الوقت المناسب، ولكن يجب أن يعرف الناس أن مِن أساسيات سياستنا عدم النص في أي معاهدة للسلام على حدود 1967م، فلا بد مِن إدخال تعديلات على الحدود، نريد تغييرًا في حدودنا، في كل حدودنا، مِن أجل أمن بلادنا".
إن إسرائيل -كما هو معروف- أعلنتْ عن مشروعها للهيمنة الإقليمية على المنطقة العربية (الشرق الأوسط)، وهي مدعومة في هذا الشأن مِن أمريكا والغرب الأوروبي. لقد فرضتْ إسرائيل إرادتها على قادة الشعب الفلسطيني المتفاوضين معها، واستطاعت أن تكسر المقاطعة العربية، وتسللت إلى بعض الأسواق العربية بالفعل، كما في الأردن ولبنان، وهي تتطلع إلى ما ستفسر عنه الأوضاع المضطربة في سوريا، وتسعي منذ معاهدة السلام مع مصر إلى التطبيع مع مصر، ثم مِن خلال مشروعها (الشرق الأوسط الكبير) تتطلع إلى الهيمنة الاقتصادية، وهي خطوات في طريق السيطرة الكاملة على المنطقة ككل.
والقيادات السياسية والاقتصادية في مصر -بحسها الأمني القومي- تنبهتْ إلى ذلك، والشواهد تدل على ذلك:
فبعد اتفاقات (أوسلو) ومفاوضات السلام بيْن السلطة الفلسطينية وإسرائيل عقدت مؤتمرات اقتصادية في المنطقة، منها: مؤتمر في الدار البيضاء بالمغرب عام 1994م، ومؤتمر في عمان بالأردن عام 1995م، ومؤتمر في القاهرة عام 1995م، ومِن خلال المشاركة الفعلية في هذه المؤتمرات تبيَّن للمسئولين المصريين أن المسألة ليست قاصرة على الجوانب الاقتصادية، وإنما الأمر أكبر مِن ذلك، فهو مخطط وُضع لأجل إعادة بناء المنطقة مِن جديد (الشرق الأوسط) بما يمكِّن إسرائيل مِن الهيمنة عليها لتكون هي قلب المنطقة، مسيطرة عليها، ومتحكمة فيها.
ولهذا عمدت القيادة المصرية إلى إعادة تقييم مواقفها مِن هذه المؤتمرات عامة، ومِن مشروع الشرق الأوسط الكبير خاصة، وهو ما ظهر جليًّا في مؤتمر القاهرة عام 1996م، والذي اتجهت فيه مصر إلى جعل هذه المؤتمرات مؤتمرات للتعاون الاقتصادي لا للتمهيد للهيمنة الإسرائيلية على شعوب المنطقة، وهو الاتجاه الذي كان وراء مقاطعة مصر للمؤتمر الذي عقد في العالم التالي (1997م) بالدوحة؛ إذ أن مصر عبْر تاريخها الطويل رائدة المنطقة العربية، ودول المنطقة تقل قيمتها العالمية كثيرًا وتضعف قدراتها على التأثير الدولي كثيرًا إذا تحركت بدون مصر، وقدر مصر دوليًّا مرهون أيضًا بقدر ما تؤثر في محيطها، وعليه فلو نجحت إسرائيل في تمرير مشروعها للهيمنة على المنطقة -كما تريد- فإن قدرة مصر على توجيه الأمور في المنطقة سيقل كثيرًا، ويقل معه وضع مصر الإقليمي والدولي، بل ويقل وضع الدول العربية في المنطقة؛ مما يؤثر سلبًا على أمنها، بل وكمال استقلالها. (راجع في ذلك: "القضية الفلسطينية وعلاقتها بالأمن القومي المصري" إعداد نادي أعضاء هيئة التدريس -جامعة القاهرة- لجنة الشئون العامة والإعلام 2002م) .
إن إسرائيل نفسها لا تتورع عن بدأ حرب أو القيام بعدوان أو افتعال مشاكل بتبريراتٍ تتعلق بأمنها "مقبولة أو غير مقبولة"، وتدل الشواهد التاريخية الكثيرة على أن إسرائيل تفعل ما يحلو لها في هذا الشأن بلا وازعٍ أو رقيبٍ، ومِن خلفها أمريكا تؤيدها وتدافع عن توجهاتها، في عالمٍ لا يَعرف إلا القوة قبْل المبادئ والقوانين!
ومِن ذلك:
- ضرب إسرائيل للمفاعل النووي في العراق.
- الضربات المتكررة مِن إسرائيل للعمق السوري.
- ضرب إسرائيل لأهدافٍ في السودان.
- الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وقد صاحبها احتلال بيروت العاصمة لفترة عام 1982م، بدعوى تعقب رجال المقاومة الفلسطينية.
- اهتمام إسرائيل بقضية الأنشطة النووية في إيران، والتي بلغتْ حد التهديد بضرب أماكن هذه الأنشطة النووية في إيران.
- اغتيال وحدة مِن الجيش الإسرائيلي لبعض القيادات الفلسطينية في تونس.
إقامة الجدار العنصري العازل في الضفة الغربية الذي يخالِف القوانين والأعراف الدولية مخالفة صريحة!
وهذا قليل مِن كثير... !
ولا يخفى بعد ذلك أن النزاع والصراع مع إسرائيل ليس شانًا فلسطينيًّا فقط، بل له أبعاد أخرى:
- فهناك البُعد الإسلامي لهذا النزاع: فالشعب الفلسطيني الذي تسعى إسرائيل إلى إبادته جزء مِن العالم الإسلامي، والقدس الشرقية التي تسعى إسرائيل إلى تهويدها هي أرض إسلامية بأهلها وأوقافها، والمسجد الأقصى -الذي تسعى إسرائيل إلى هدمه وبناء هيكلها (هيكل سليمان) المزعوم مكانه- له مكانته الكبيرة في نفوس المسلمين جميعًا في شتى أركان المعمورة.
وهناك البُعد العربي لهذا النزاع: ففلسطين والأراضي العربية الأخرى المحتلة في سوريا (الجولان المحتلة) وفي لبنان (مزارع شبعا) أراضٍ عربية هي محل هذا النزاع. وفلسطين مع سيناء نقطتي التقاء العالم العربي في كل مِن إفريقيا وآسيا، فهي قلب العالم العربي، وأخطر أماكنه الإستراتيجية، ووجود دولة لليهود مزروعة بالقوة في إحدى هاتين النقطتين يقطع تواصل جناحي العالم العربي في إفريقيا وآسيا، ويمنع وحدته، ويهدد أمنه.