شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة العربية أو (مشروع الشرق الأوسط الكبير)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمنذ أن ضعفتِ الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر، وصارتْ في نظر الدول الأوروبية الاستعمارية رجلًا مريضًا قامتِ الدول الأوروبية بالتكالب على الدولة العثمانية، وإدخالها في حروب خارجية تضعفها، وأشعلت نار الفتن الداخلية بإثارة النعرات القومية والطائفية، واستغلت القروض الربوية والامتيازات الأجنبية للتدخل في شئون الدولة العثمانية وتوجهاتها، وارتبط ذلك بزيادة المطامع الاستعمارية في الاستيلاء على المنطقة العربية التي هي وقتها كانت تحت السيادة العثمانية وفي حوزتها، خاصة الحجاز والخليج العربي والعراق والشام والحجاز؛ لما فيها مِن ثروات وموارد طبيعية، خاصة مع اكتشاف البترول في المنطقة وظهور أهميته، إلى جانب أهميتها الجغرافية والإستراتيجية بموقعها في قلب العالم القديم, ووجود قناة السويس فيها.

التخطيط لتفتيت المنطقة العربية:

بدأ التخطيط الجاد مِن الدول الأوروبية الاستعمارية لإخراج المنطقة العربية مِن سيطرة الدولة العثمانية مِن جهة، وتمزيقها سياسيًّا بتفتيتها إلى دويلاتٍ صغيرةٍ مِن جهةٍ أخرى، وإخضاعها للسيطرة العسكرية الأوروبية، وصبغها سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وفكريًّا بصبغة الحضارة الأوروبية الحديثة، ففي مؤتمر لندن 1905م خرجت الدول الأوروبية الاستعمارية بتوصيات ترتبط بتفتيت المنطقة العربية وتقسيمها للسيطرة على طرق التجارة والمواصلات العالمية بيْن الشرق والغرب، وبيْن الشمال والجنوب.

وفي اتفاقية (سايكس بيكو) 1915م اتفقت الدول الاستعمارية على كيفية تقسيم المنطقة العربية بعد إخراجها مِن السيطرة العثمانية، حال هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، وفي نوفمبر 1917م كان وعد الحكومة البريطانية للحركة الصهيونية بالسعي لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين (وعد بلفور)، إذ رأت بريطانيا أن في إقامة دولة لليهود في فلسطين فائدة كبيرة لمصالحها، ففيها حل للمسألة اليهودية (اضطهاد اليهود في أوروبا)، وإقامة دولة تنتمي سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا للحضارة الغربية في المنطقة، وهي دولة سيكون ولاؤها لبريطانيا، تحرس مصالحها، وتساندها في انفرادها بقناة السويس، بإبعاد أي نفوذ أوروبي آخر عنها، دون مشاكل مع الدول الأوروبية التي قد تمانع في سيطرة بريطانيا المباشر على فلسطين، لمكانتها التاريخية والدينية عند نصارى أوروبا وأهميتها الجغرافية، وذلك قبْل تعديل اتفاقية (سايكس بيكو) في معاهدة (سان ريمو) 1920م، والموافقة على انفراد بريطانيا بالانتداب على فلسطين، في مقابل موافقة بريطانيا على شروط فرنسا القاسية على ألمانيا المهزومة في الحرب العالمية الأولى.

ومِن خلال عصبة الأمم التي أنشأت في أعقاب الحرب العالمية الأولى تم تقسيم المنطقة العربية في العراق والشام بعد تفتيتها وتجزئتها إلى دويلاتٍ صغيرةٍ؛ فكانت سوريا ولبنان تحت الانتداب (النفوذ) الفرنسي، وكانت العراق وفلسطين تحت الانتداب (النفوذ) البريطاني، مع إلزام حكومة الانتداب البريطاني بتنفيذ "وعد بلفور" بتهيئة الظروف لهجرة اليهود الجماعية إلى فلسطين وإقامة وطن قومي لليهود فيها، بينما بقت الحجاز والضفة الشرقية لنهر الأردن (المملكة الأردنية الهاشمية) تحت حكم عربي، وهكذا حقق الغرب ما أراد، وصارت المنطقة العربية مقسَّمة إلى وحداتٍ سياسيةٍ منفصلة تحت الانتداب، لا حول لها ولا قوة، تتضارب في أحوالها ومذاهبها وتوجهاتها، وتتحكم في مقدراتها الدول الكبرى وترتبط مصالحها الاقتصادية وثقافتها وقيمها الحضارية والاجتماعية بها، حتى بعد حصولها على الاستقلال وإنهاء الاحتلال العسكري الأوروبي المباشر لها، إذ بقت تبعاته الاقتصادية والفكرية والاجتماعية والثقافية التي لم تستطع التحرر منها بالكلية، بالإضافة إلى الحاجة للديون الأجنبية والانشغال بالأزمات والحروب الإقليمية، وتردي الأحوال العسكرية والاقتصادية والعلمية، وتفشي الصراعات الطائفية والمذهبية، وإثارة مشاكل الأقليات، وكلها أمور مهَّدت -ومكنت- مِن تدخل الدول الأوروبية وأمريكا المباشر وغير المباشر في شئون الدول العربية، وفرض إرادتها عليها مِن جديدٍ، وعلى درجاتٍ مختلفةٍ، لم تنجو منها دولة عربية دون أخرى.

دروس مِن الحربين العالميتين:

وقد خرجت الدول الاستعمارية الكبرى مِن الحربين العالميتين الأولى والثانية بدروسٍ مستفادةٍ، منها:

- أن الغزو المسلح واحتلال أراضي الغير بالقوة وقهر الشعوب للاستيلاء بالقوة على ثرواتها، واستمرار هذا الاحتلال، يكلف الكثير مِن الناحية البشرية، وأن العائد قد لا يكون بقدر الخسارة البشرية -خاصة إذا كانت الخسارة البشرية كبيرة- نتيجة استمرار الصراع مع أصحاب الأرض، خاصة وقد أسفرت الحربين العالميتين -نتيجة الصراع بيْن الدول الاستعمارية الأوروبية وخصومها- عن مقتل عشرات الملايين مِن البشر في سنواتٍ قليلةٍ، وكلفت العالم بأسره خسائر مادية جسيمة للغاية؛ مما أضر كثيرًا بهذه الدول الاستعمارية في نموها البشري بعد الحربين، وفي التكلفة الباهظة التي قُدِّمت لعلاج الآثار المادية المترتبة عليهما، بل أثرت الحرب العالمية الثانية في موازين القوى العالمية بتصدر أمريكا وروسيا للمشهد كقوتين كبيرتين على حساب إنجلترا وفرنسا، ومِن وراء أمريكا وروسيا ظهرت كذلك الصين.

- أن البشرية صارت تمتلك بفضل تطور تكنولوجيا التسليح أسلحة شديدة التدمير والقتل تسبب خسائر بشرية عالية، وخسائر مادية كبيرة جدًّا في المعدات والمنشآت والبنية التحتية؛ مما يجعل تكلفة الحرب -أي حرب- وإعادة بناء ما دمرته، وتعويض ما استخدم فيها مِن سلاح وذخائر تزيد عن عائدها، خاصة إذا تحملتها الدولة الاستعمارية وحدها، خاصة الخسائر في العنصر البشري التي تهز شعوب هذه الدول مِن الداخل وتثير اعتراضاتها على حكوماتها.

الصفحة التالية