الذكرى السبعون لحكومة عموم فلسطين
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتمر علينا في أواخر شهر سبتمبر 2018م القادم ذكرى مرور سبعين عامًا ميلاديًّا على إنشاء حكومة عموم فلسطين، وهي الحكومة التي قررت الجامعة العربية في عام 1948م إنشاؤها لتمثِّل الدولة الفلسطينية في المحافل الرسمية والدولية، لتكون أول حكومة فلسطينية في التاريخ الحديث، والتي تجمدت أعمالها في 1952م، وكانت وفاة رئيسها (أحمد حلمي باشا) في يونيو 1963م إعلانًا بانتهائها.
إقامة حكومة في المنفى:
إقامة حكومة في المنفى مِن الأمور المعروفة دوليًّا، وتطلق على جماعةٍ مِن الأشخاص تضفي على نفسها صفة الحكومة لدولة -أي الجماعة- لا تقيم على أرضها، نتيجة احتلال أجنبي لهذه الأرض بالقوة العسكرية، فهي حكومة لا تمارس الإشراف الإداري على أرضها وشعبها التي تدعي أنها حكومته، وتتيح قواعد القانون الدولي للحكومات القائمة أن تقر وتعترف لهذه الحكومة في المنفى بالشخصية الدولية، وتمثيلها لشعبها، وأهليتها في التحدث باسمه، والدخول في علاقاتٍ دوليةٍ نيابة عنه، وإن كانت لا سيطرة لها على أرض الدولة التي تمثلها.
ومِن أشهر الأمثلة على ذلك:
(حكومة فرنسا الحرة) والتي اختار لها (شارل ديجول) -أثناء الكفاح المسلح لتحرير فرنسا مِن الاحتلال الألماني خلال الحرب العالمية الثانية- مدينة (لندن) لإقامة هذه الحكومة في المنفى عليها، حيث كانت لندن وقتها تتزعم المقاومة الأوروبية ضد ألمانيا النازية.
وقد استطاع ديجول الحفاظ على استقلالية القرار لحكومته، ومنع بريطانيا مِن فرض تصوراتها عليها، ونال التأييد المطلوب، ونجح في تعبئة الفرنسيين، وأثبت قدرته على تمثيلهم، وشكلت (فيتنام) حكومة مؤقتة لها في المنفى في الفترة بيْن 1969م إلى 1972م عندما بلغت مرحلة متقدمة مِن العمل السياسي والعسكري، كما رحبت (بكين) ببداية حكومة (كمبوديا) في المنفى عام 1970م.
واستضافت (لوساكا) و(دار السلام) حكومة (أنجولا) في المنفى في الفترة مِن 1963م إلى 1968م.
وعربيًّا: تبنت مصر حركة المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي منذ عام 1954م، وأعلن مِن القاهرة قيام حكومة الجزائر المؤقتة لتكون حكومة في المنفى، حتى نالت الجزائر الاستقلال عام 1962م.
ويبقى السؤال: لماذا نجحت كل هذه الحكومات المؤقتة -والتي ظهرتْ قبْل وبعد حكومة عموم فلسطين- وفشلتْ حكومة عموم فلسطين؟! لعلك تصل معنا إلى الجواب بقراءة تفاصيل مِن هذه الصفحة المنسية مِن تاريخ القضية الفلسطينية.
إرهاصات ما قبْل حكومة عموم فلسطين:
شكَّل الفلسطينيون في منتصف الثلاثينيات (اللجنة العربية العليا) كقيادةٍ فلسطينيةٍ مِن الأحزاب المختلفة، وبعد اندلاع ثورة 1936م ولدور اللجنة العليا فيها أعلنتْ سلطة الانتداب البريطانية حلَّ اللجنة عام 1937م، وطاردت أعضائها، وخلال الحرب العالمية الثانية تفرَّق شمل اللجنة، وتشتت أعضاؤها خارج البلاد، بيْن نفي وهجرة.
تمثيل فلسطين في الجامعة العربية:
عند بدء مشاورات الجامعة العربية ظهر تنازع الأحزاب الفلسطينية حول تأليف قيادة فلسطينية جديدة، فتم الاكتفاء بانتداب مَن يمثِّل فلسطين في المشاورات، فكانت هذه إشارة إلى وجود أزمة في القيادة الفلسطينية، مع زيادة الخلافات الحزبية الفلسطينية والتنافس حول مَن يمثِّل فلسطين في الجامعة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بيْن بقايا (اللجنة العربية العليا) وبيْن (الجبهة العربية) المؤلفة مِن الأحزاب الفلسطينية والقيادات العمالية، وبعض المثقفين والزعماء المستقلين.
ثم كان بدء التدخل العربي في السياسة الفلسطينية، حيث قرر مجلس الجامعة العربية أن اختيار مندوبين عن فلسطين في الجامعة العربية هو مِن حق مجلس الجامعة العربية، وبعد مشاوراتٍ عربيةٍ وفلسطينية تم التوافق على تأليف هيئة جديدة باسم: (الهيئة العربية العليا) مكونة مِن أربعة أشخاص مناصفة بيْن الطرفين المتنازعين، واختيار المفتي الحاج "أمين الحسيني" رئيسًا لها.
وقد تم تنظيم أعمال الهيئة مِن القاهرة؛ نظرًا لرفض سلطة الانتداب البريطانية دخول بعض الساسة الفلسطينيين فلسطين، وفي مقدمتهم رئيس الهيئة "أمين الحسيني".
ظهور فكرة حكومة فلسطينية:
كان هدف الهيئة العليا دولة فلسطينية مستقلة بحكومةٍ وطنية، خاصة مع إعلان بريطانيا عن نيتها التخلي عن الانتداب على فلسطين عام 1948م؛ مما يستلزم وجود إطارٍ دستوري سياسي وإداري لملأ الفراغ الذي سيعقب انتهاء الانتداب، خاصة مع نية منظمة الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، ورفضها مطلب الفلسطينيين والعرب باستقلال فلسطين.
تقدمت الهيئة العليا عبْر رئيسها المفتي أمين الحسيني للجامعة العربية في أكتوبر 1947م بطلب تأليف حكومة عربية في فلسطين، إلا أن كلًا مِن مندوبي (شرق الأردن) والعراق عارضا بشدة ذلك الطلب؛ بدعوى خشية استفزاز الرأي العام العالمي في ضوء المعارضة الدولية لزعامة المفتي أمين الحسيني، والذي قام أثناء وجوده خارج فلسطين هربًا مِن حكومة الانتداب البريطانية في فلسطين بالاتصال بالنازيين أثناء الحرب العالمية الثانية في محاولة للاستفادة مِن عداوتها لإنجلترا في مساعدة الفلسطينيين؛ مما أعطى الفرصة لليهود لتشويه صورته أمام الرأي العام العالمي.
ويرى البعض أن هذا الاعتراض لا يعكس حقيقة الأمر؛ إذ إن الملك عبد الله (ملك شرق الأردن) رفض الحديث -في اجتماع عقد في عمان لمناقشة الموقف الأردني- عن أية حكومة فلسطينية بزعامة المفتي أم بدونه، بل وعارض تسليح الفلسطينيين؛ مما فسَّره البعض بنيته -بعد ذلك- في طلب ضم الأجزاء العربية مِن الدولة الفلسطينية المنتظرة إلى شرق الأردن لتكوين (الأردن الكبير).