شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الذكرى السبعون لحكومة عموم فلسطين

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

بعد صدور قرار التقسيم مِن الأمم المتحدة في نوفمبر 1947م جددت الهيئة العربية مطلبها مِن الجامعة العربية في فبراير 1948م بتأليف حكومة فلسطينية تتولى الإدارة العامة عند انتهاء الانتداب البريطاني، وإقامة نظام مؤقت للبلاد باسم (الإدارة الفلسطينية العامة)، وإعلان فلسطين دولة مستقلة في 15/ 5 / 1948م، ولكن رفضت الجامعة الطلب بزعم أنه سابق لأوانه، وتكرر الرفض لما كررت الهيئة العربية الطلب مِن الجامعة العربية في أبريل 1948م. ويعد ذلك صورة مِن صور أزمة تمثيل فلسطين في هذه الفترة.

ونتيجة للانقسام الفلسطيني بحيث لم تستطع الهيئة العربية العليا أن تملي طلبها، ولم تصغَ الجامعة العربية لها؛ بات واضحًا أن الهيئة العليا -ورئيسها المفتي أمين الحسيني- ليس له حظوة في السياسة العربية.

إعلان قيام دولة إسرائيل:

مع انتهاء الانتداب البريطاني في 14/ 5/ 1948م أعلن عن قيام دولة إسرائيل في 15 / 5 / 1948م، وعلى النقيض كان الجانب الفلسطيني دون صفة دولية قانونية، فليس له حكومة ولا إدارة، ولا قوات عسكرية منظمة، والهيئة العربية العليا تعاني مِن التهميش، وبدون دورٍ سياسي أو عسكري، ولا دعم مالي لها تقريبًا.

دخول الجيوش العربية فلسطين:

- دخلت الجيوش العربية فلسطين في مايو 1948م بتوجيهٍ مِن الجامعة العربية لمواجهة العصابات الصهيونية المسلحة؛ مما زاد مِن تعقد الوضع المدني والإداري الفلسطيني، إذ اعتبرت الجيوش العربية نفسها وحدها المنوط بها حماية عروبة فلسطين وعرب فلسطين، فلم يكن للأحزاب والهيئات السياسية الفلسطينية أي دور في تنظيم أحوال أو حماية شعب فلسطين، في الوقت الذي قامتْ فيه العصابات الصهيونية بالاستيلاء على القرى والمدن الفلسطينية وتصفية وجود الفلسطينيين بها، والسيطرة على أكبر قدرٍ ممكن داخل وخارج الجزء المخصص مِن الأمم المتحدة لليهود.

- تولت الجيوش العربية -على تعددها- مسئولية إدارة المناطق التي تحت يدها، ودون تنسيق فيما بينها، وبعد توقيع الهدنة الأولى في 11/ 6 / 1948م أنشأت الجامعة العربية إدارة فلسطينية مدنية مؤقتة في 8 / 7 / 1948م.

- جددت الهيئة العربية العليا مطلبها بإنشاء حكومة تمثـِّل فلسطين، ولكن بضغطٍ مِن الملك عبد الله رفضت الجامعة مجددًا الطلب، تفاديًا للانشقاق العربي حول إعلان حكومة فلسطينية، واكتفت بإنشاء (الإدارة المدنية المؤقتة)، فأظهرت الهيئة العليا عدم رضاها عن هذه الإدارة؛ إذ تضر بوضع الهيئة، ورفضت التعاون معها، ومع تجدد القتال في 9 / 7 / 1948م، والانشغال بالحرب مِن جديد، وتوالي هزائم الجيوش العربية، تجمد عمل الإدارة المدنية المؤقتة.

قيام حكومة عموم فلسطين:

اتخذت الجامعة العربية قرارًا بقيام حكومة فلسطينية بتأييد قوي مِن مصر وسوريا، رغم المعارضة الأردنية، والتي مِن أجلها راعت الجامعة:

- تسمية الحكومة باسم: (حكومة عموم فلسطين) لمواجهة الزعم الأردني بأن قيام دولة في القسم العربي مِن فلسطين يُعد اعترافًا بتقسيم فلسطين.

اختيار (أحمد حلمي باشا) -أحد الشخصيات العربية الوطنية- رئيسًا لهذه الحكومة، واستبعاد المفتي أمين الحسيني لاعتراض الأردن عليه مِن جهةٍ، ولما يثيره وجوده مِن تحفظاتٍ.

- وبتوجيه مِن الهيئة العليا ورعاية مصرية انعقد المؤتمر الفلسطيني الوطني في غزة في 30 / 9 / 1948م لإضفاء الشرعية الشعبية على هذه الحكومة، واستجاب للحضور للمؤتمر كثيرون.

ظروف وتطورات حكومة عموم فلسطين:

يتضح -مما ذكرنا- أن دخول الجيوش العربية فلسطين في مايو 1948م كان للحفاظ على الكيان السياسي لفلسطين، حيث أكدت الجامعة العربية على استقلال فلسطين، وأن حكمها لأهلها، ولفقد الفلسطينيين صفة المواطنة السياسية الرسمية بنهاية الانتداب البريطاني، فلم يعد لهم جنسية ولا هيئة سياسية تتضمن وجودهم، ومع بوادر المطامع الأردنية لضم أجزاءٍ مِن فلسطين، كان التفكير في إقامة حكومة عموم فلسطين، خاصة وأن الهيئة العربية العليا صارت لا تصلح لهذا الغرض، كما أن رئاسة المفتي أمين الحسيني لها أضعف موقفها دوليًّا؛ بسبب دعاوي انحيازه إلى ألمانيا النازية واتصاله بها خلال الحرب العالمية الثانية.

واستلزم تكوين الحكومة الاستعداد العسكري الفلسطيني، فتم تدعيم قوات الجهاد المقدس، لتكون نواة للجيش الفلسطيني، وتم تأليف قيادة لإدارة شئون القتال في المنطقة الجنوبية مِن فلسطين، وكانت وحدات هذا الجيش تعمل تحت إشراف القيادة المصرية، ومع التدهور العسكري وازدياد اللاجئين الفلسطينيين إلى قطاع غزة زادتْ مشاكل القطاع الاقتصادية، واضطر أعضاء الحكومة إلى مغادرة غزة نظرًا للخطر المحدق بها.

- بعد اتفاقية الهدنة بيْن مصر وإسرائيل في فبراير 1949م -والتي حددت تسليح قطاع غزة، وألزمت مصر بأن تكون قواتها دفاعية- أعاق ذلك البرنامج العسكري لحكومة عموم فلسطين.

وقد اختلفت المواقف حول حكومة عموم فلسطين؛ ففلسطينيًّا: تلقتها الجماهير الفلسطينية بترحيبٍ حذر، واستنكرها البعض خشية صرفها للهمم عن الإعداد للقتال والانشغال بالتطلع إلى كراسي الحكم، ورآها البعض أنها امتداد للهيئة العليا والمفتي، وتشكك البعض في قدرتها على القيام بدورها وهي تفتقد الدعم المالي ولن تكفي نفسها بنفسها، وقد شهد تشكيل الحكومة منافسة على اختيار أعضائها والاختلاف حول مَن يمثِّل الفلسطينيين فيها.

موقف الأردن:

مع دخول الجيوش العربية -ومنها الجيش الأردني- أرض فلسطين سيطرت القوات الأردنية على أجزاءٍ واسعةٍ مِن فلسطين بالتنسيق مع القوات العراقية المسيطرة على أجزاءٍ مجاورة، وقد صاحب اعتراض الأردن على إقامة حكومة فلسطينية التهديد بسحب قواته مِن فلسطين، والانسحاب مِن الجامعة العربية.

وشجعها على ذلك:

- وجود الانقسام الفلسطيني؛ قيادة وشعبًا تجاه الحكومة الفلسطينية، فادعت الأردن أن حكومة عموم فلسطين لا تمثِّل كل الشعب الفلسطيني، ومَن يؤيدونها لا يمثلون غالب الفلسطينيين، وأنها حكومة مفروضة عليهم دون اختيارهم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية