"تيودور هرتزل" وكتابه (دولة يهودية)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيعد "تيودور هرتزل" مؤسس الحركة الصهيونية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر، والتي تدعو إلى إقامة دولة لليهود على أرض فلسطين، ويعد كتابه عن (الدولة اليهودية) هو الدليل العملي الذي وضعه "هرتزل" لتحقيق ذلك.
لقد امتلأت نفس هرتزل بهموم اليهود في العالم، فوضع مشروعه لإقامة دولة قومية لليهود، ثم سعى بكل السبل لتحقيق ما خطط له، ونجح في تجميع جهود اليهود في العالم لتسير في الاتجاه الذي أراده.
"تيودور هرتزل":
يهودي وُلد في 2 مايو عام 1860م في بودابست في المجر، وأبوه يهودي ثري كان يعمل في التجارة, درس الحقوق في جامعة (فيينا) بالنمسا حتى عام 1884م، عمل في المجال الأدبي منذ عام 1885م، حيث نشر أول مقال له في 27 مايو 1885م. ثم عمل مراسلًا صحفيًّا في باريس لجريدة الحرة الجديدة (نيو فري باريس) التي كانت تصدر في (فيينا) وذلك في الفترة من 1891م إلى 1895م.
انشغل هرتزل بالمسألة اليهودية فأصدر في نوفمبر 1894م مسرحيته (الجيتو الجديد)، والتي تتحدث عن الأوضاع الاجتماعية لأغنياء اليهود (الطبقة اليهودية العليا) في (فيينا)، معبِّرًا فيها عن توجهاته في المسألة اليهودية.
وفي 2 يونيو 1895م التقى هرتزل بالبارون (دو هيرش) حيث عرض عليه فكره، ولكن البارون لم يرحب بخطة هرتزل السياسية، وعليه كتب هرتزل المسودة الأولى لكتابه (دولة يهودية) في يونيو ويوليو 1895م، ثم نشر الكتاب في عام 1896م، وكان في الخامسة والثلاثين من عمره.
بحث هرتزل عن ناشرٍ يهودي، فاتصل أولًا بـ(سيجموند كرونباح) مِن برلين، الذي لم يعجبه أفكار الكتاب، فاتصل في 19 يناير 1896 بـ(ماكس بريتنشتين) في فيينا، وتعاقد معه على نشر ثلاثة آلاف نسخة من الكتاب كطبعة أولى، فنشر بالألمانية في فبراير 1896م.
وقد تمت ترجمة الكتاب من الألمانية إلى الإنجليزية بمعرفة (سيلفي دافيجدور)، ونشر الكتاب في لندن عام 1896م، أي في نفس عام ظهور الكتاب، وقد بلور هرتزل في الكتاب ما كان موجودًا مِن الأفكار السابقة عن الصهيونية وإنشاء وطنٍ قومي لليهود، مستثمرًا مواهبه الذهنية وخبراته القانونية في تحديد الهدف، ووضع وسائل تنفيذه عمليًّا، ثم تابع ذلك بالسعي الجاد لتحقيق ما كتبه.
بدأ "هرتزل" في تسجيل يومياته مِن عام 1895م، وكلل جهوده تلك في عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا في الفترة مِن 29-31 أغسطس 1897م، وللمتابعة توالى عقد هذا المؤتمر سنويًّا، حيث شهد هرتزل خمس مؤتمرات صهيونية بعده، آخرها المؤتمر السادس عام 1903م، وقد توفي هرتزل في فيينا في 13- 7- 1904م ودفن بها، وبعد إقامة دولة إسرائيل عام 1948م تم نقل ما بقي مِن رفاته ليدفن قرب مدينة القدس في عام 1949م.
لم يكن هرتزل أول مَن صاغ الفكر الصهيوني في صورة إقامة دولة لليهود، فقد سبقه آخرون، منهم (موسى هس) في كتابه (روما والقدس) عام 1862م، الذي بيَّن فيه رأيه في القومية اليهودية كحل للمشكلة اليهودية، كما ألف (ليو بينسكر) أيضًا كتابه (التحرر الذاتي) في عام 1882م، تكلم فيه عن وطن قومي لليهود، لكن هرتزل بلور كل تلك الأفكار، وحدد الأهداف الأساسية مِن خلال مواهبه القانونية والأدبية التي كان لها أثر كبير على صياغة أفكاره؛ فلقد أعطته ثقافته القانونية نظرة خاصة للقضايا العامة جعلته يحرص على توفير الشكل القانوني للأمور، أما ثقافته الأدبية (خاصة المسرحية) فنجدها في فصول الكتاب المرتبطة الحلقات المتسقة، مع شيءٍ مِن الخيال لاستكمال جوانب الصورة، وقد ساعد هرتزل أيضًا توقيت نشر الكتاب خلال قضية الضابط الفرنسي اليهودي (دريفوس).
قضية "دريفوس":
ألفريد دريفوس ضابط فرنسي يهودي، وُلد عام 1859م، اتهم بالتجسس علي فرنسا لحساب ألمانيا عام 1894م، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، وقد تم العفو عنه بعد عدة سنوات مِن حبسه بعد إعادة محاكمته بضغطٍ مِن زعامات يهودية، وبالتالي إعادته إلى منصبه في الجيش الفرنسي، لكن القضية كانت قد تحولت مِن قضية فردية إلى قضية سياسية خدمت الحركة الصهيونية عند نشأتها في أواخر القرن التاسع عشر، حيث نشط زعماء اليهود الصهيونيين استغلالًا لهذه القضية في إثارة قضية معاداة السامية، وبالتالي المطالبة بحل للمسألة اليهودية.
فكرة كتاب (دولة يهودية):
كانت فكرة هرتزل أن يمنح اليهود أرضًا يتجمعون فيها، ويهاجر إليها المضطهدون مِن يهود العالم، ولتحقيق ذلك اقترح تأسيس جمعية يهودية تتولى الأعمال التحضيرية الخاصة بأعمال التنظيم والمفاوضات السياسية، وإنشاء شركة يهودية تكرس جهودها لدراسة مختلف المسائل المالية والاقتصادية الخاصة بتنفيذ الاقتراح.
وقد عرض هرتزل كل التفاصيل التي رآها لازمة لسد الطريق على أي معارض لخطته، فأثار النقاط الكبرى كاللغة والقوانين والجيش، وإنشاء الجمعية اليهودية، وشراء الأراضي، كما تطرق إلى كيفية تصفية أعمال المهاجرين ونقل بضائعهم، وكيفية التعامل معهم بما يحميهم مِن الاستغلال، وتوفير وسائل الترفيه، والمساكن التي تعد لهم.
وجاءت هذه التفاصيل لتدل على قناعة هرتزل الشديدة بفكرته، وحرصه على نجاحها بسد الطريق على أي معارضات تثار ضدها، ويتحدث عنها كأنه حقيقة واقعة، ورغم أن ردود الفعل الأولى للكتاب لم تكن مشجعة، إذ لم يكتسب أنصارًا كثيرين، ولكن حماس هرتزل لفكرته كان كبيرًا، فسعى بكل قوة لتحقيقها.
أهمية كتاب (دولة يهودية):
نقل الكتاب المسألة اليهودية من قضية تخص يهود كل بلد يعيشون فيه، أو تهم السلطة المحلية في هذا البلد، إلى قضية سياسية ذات مسئولية عالمية، وأن على كل الدول مناقشتها، والمشاركة في إيجاد الحلول الممكنة لها.
لقد أراد هرتزل ألا يتخوف اليهود مِن إظهار حركة دولية تتبنى مطلبهم القومي (الحركة الصهيونية الداعية إلى إنشاء دولة تكون وطنًا ليهود العالم).
لقد أراد هرتزل ألا يعيش اليهود بعده في (الجيتو)، وألا يتواروا في الأركان، فهناك مَن سيشاركهم مشكلتهم، وهناك مَن سيتحيز إلى قضيتهم، إذا تمسكوا بها وعملوا لها.