"تيودور هرتزل" وكتابه (دولة يهودية)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
نقل الكتاب اليهود الذين لم يكونوا قبْل ظهور الكتاب شعبًا -بل أقليات انعزالية منطوية مشتتة في بلدان أوروبا- إلى شعبٍ؛ أي جعل منهم شعبًا، أي جعل -الكتاب- اليهود شعبًا، وجعل هذا الشعب يسعى لإقامة دولة.
جعل الكتاب لليهود -لأول مرة في تاريخهم منذ تشتتهم- دليلًا عمليًّا يحدد لهم معالم الطريق، دليلًا يطرح المشكلات، ويقدِّم لها الحلول.
لم يجعل هرتزل فكرته مجرد فكرية نظرية، بل اهتم بإيجاد حلول للمشكلات المختلفة التي يمكن أن تواجه المهاجرين سواء في البلد التي هاجروا منها أو إلي البلد التي سيهاجروا إليها، ليس فقط مِن أجل طمأنة المهاجرين على أموالهم وممتلكاتهم في أوطانهم الأصلية، أو بعد وصولهم إلى وطنهم المرتقب، بل لتوفير الظروف المناسبة لنجاح الفكرة، ووضع البدائل المختلفة، وهذا ما نجح فيه هرتزل إلى حدٍّ كبيرٍ.
ويلاحظ في الكتاب أمران هامان:
إن هرتزل لم يجد غضاضة في التأكيد على أن الدولة اليهودية المرتقبة ستكون رأس الحربة للدول الاستعمارية الأوروبية في منطقتها، حيث يقول: "ومِن هناك سوف نشكل جزءًا مِن استحكامات أوروبا في مواجهة آسيا، كموقع أمامي للحضارة في مواجهة البربرية. وعلينا -كدولة طبيعية- أن نبقى على اتصالٍ بكل أوروبا التي ستكون مِن واجبها أن تضمن وجودنا".
وقد كرر هرتزل هذا المعنى في أكثر مِن موضع، فعند الحديث عن إنشاء الشركة اليهودية يؤكِّد أنها سوف تكون تحت حماية إنجلترا؛ مما يوضح أن هرتزل يعلم جيدًا أن اليهود غير قادرين -مع وجود أموال وإمكانيات رجال المال اليهود- على القيام وحدهم ببناء الدولة المنتظرة، أي لا بد مِن الاعتماد على الدول الأوروبية الاستعمارية لدعم قيام هذه الدولة، وحمايتها في المستقبل.
إن فلسطين بالذات لم تكن هي الأرض المقصودة دون غيرها لتكون هي وطن اليهود، أو أرض المعاد، بل كان المراد أي أرض تصلح لذلك، ولقد سبق مِن قبْل اقتراح البارون (دو هيرش) إقامة وطن لليهود في الأرجنتين، ولهذا عرض هرتزل في المؤتمر الصهيوني السادس عام 1903م اختيار أوغندا لتكون وطنًا قوميًّا لليهود، وكان هذا عرضًا إنجليزيًّا تقبله هرتزل، رغم اختيار يهود المؤتمر الصهيوني الأول لفلسطين وطنًا قوميًّا لليهود، وقد قوبل عرض هرتزل بالرفض مِن يهود المؤتمر الصهيوني السادس.
طبعات كتاب (دولة يهودية):
لم يتم طبع كتاب (دولة يهودية) بعد طبعته الأولى الألمانية في عام 1896م وترجمتها الإنجليزية إلا في عام 1936م، خشية تنبه العرب للمخططات الصهيونية التي تهدف إلى انتزاع فلسطين بعد إغراقها بالمهاجرين اليهود مِن مختلف بقاع العالم. فلما قويت شوكت اليهود في فلسطين وأعلن بن جوريون في تل أبيب عام 1942م أنه بالفعل تم بناء وطن قومي لليهود في فلسطين تحت رعاية ودعم الحكومة البريطانية صدرت طبعات جديدة للكتاب، منها طبعة في عام 1943م، والتي قدم لها الدكتور (حاييم وايزمان)، الذي قاد الحركة الصهيونية بعد وفاة هرتزل، وكان أول رئيس لدولة إسرائيل بعد قيامها، وطبع الكتاب طبعات أخرى في أعوام 1946م و1972م و1988م. ومع ذلك فلم يترجم الكتاب ويطبع باللغة العربية إلا في التسعينيات مِن نهاية القرن العشرين، رغم أن الكتاب يتعلق بقضية تخص العرب؛ لما فيه مِن دعوة إلى إقامة دولة يهودية على أرضهم، ويضع التخطيط لتحقيق ذلك.
جهود هرتزل لتحويل فكرته إلى واقع:
لم يكتفِ هرتزل بإصدار كتابه عن الدولة اليهودية، ولا بعقد المؤتمرات الصهيونية السنوية، لكنه قام بالاتصالات والمقابلات العديدة مع عشرات السياسيين والمسئولين في العديد مِن دول العالم الذين رأى أنه يمكن الاستفادة مِن دعمهم لفكرته، أو يرتجي منهم خيرًا لمشروعه، أو يمكنهم تقديم نوعٍ مِن الدعم والمساندة، فقابل إمبراطور ألمانيا، والسلطان عبد الحميد الثاني، ووزير خارجية بريطانيا، ووزير داخلية روسيا، والبابا في روما، وملك إيطاليا، والزعيم المصري مصطفى كامل، وغيرهم كثير ممن أورد ذكرهم في يومياته، إلى جانب علاقاته واتصالاته بزعماء اليهود ورجال الأعمال منهم وزعماء الصهيونية. حيث استخدم كل الوسائل على طريقة الغاية تبرر الوسيلة بدون فتور أو يأس، للحصول على وعدٍ مِن هنا، أو دعم مِن هناك؛ تشهد لذلك مذكراته اليومية التي كتبها بنفسه.
- فدعا أقطاب اليهودية في العالم للمؤتمر الصهيوني الأول في "بال - سويسرا" في أغسطس 1897م، وشهد بعده خمسة مؤتمرات صهيونية قبْل وفاته.
- قابل السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في عام 1902م، طالبًا منه السماح بهجرة اليهود إلى فلسطين، مع منحهم شبه استقلال ذاتي، ولكن محاولته فشلت فشلًا ذريعًا؛ مما جعل الصهيونية العالمية تسعى بقوة إلى التخلص مِن السلطان عبد الحميد، فدعمت المتمردين عليه، وناصرت الحركات الانفصالية عن الدولة العثمانية، وأنشأت جمعية الاتحاد والترقي الماسونية (تركيا الفتاة)، وأمدوها بالمال والدعاية، حتى نجحت في القيام بانقلاب أعقبه خلع السلطان عبد الحميد بحجة عدم الاستجابة للأصوات المنادية بالإصلاح.
وفي عام 1903م فاوض وزير داخلية روسيا على التصريح بهجرة اليهود الروس إلى خارج روسيا مقابل إيقاف الدعاية اليهودية ضد روسيا، كما أخذ موافقة وزير مالية روسيا على إنشاء فرع للبنك اليهودي.
وافق هرتزل على عرض وزير المستعمرات البريطانية باستيطان اليهود لهضبة قريبة مِن نيروبي، مع وعد بالاستقلال الذاتي، وتعيين حاكم يهودي، وهو ما تم رفضه في المؤتمر الصهيوني السادس، وهو آخر مؤتمر صهيوني شهده هرتزل قبْل وفاته.
وقد زار هرتزل القاهرة في ربيع عام 1903م، في إطار حرصه على تجميع جهود اليهود في كل مكان لإقامة دولتهم، وقد رحبت به الجالية اليهودية الرأسمالية في مصر وقتها.
تنبيه: يقول أ.د.عادل حسن غنيم: "والاسم الأصلي للكتيب هو (دولة اليهود) وليس (الدولة اليهودية)، لكننا نجد هرتزل في مذكراته يستخدم عبارة الدولة اليهودية، وهناك فرق مقصود بيْن العنوانين، فدولة اليهود تعني أن يكون اليهود أغلبية في دولة، أما الدولة اليهودية فتعني أنها دولة خاصة باليهود وحدهم".
المؤتمرات الصهيونية: