شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحاج "أمين الحسيني" مفتي القدس (الزعيم الفلسطيني الذي اتصل بالنازيين!)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد شهد كفاح الشعب الفلسطيني منذ بداية الانتداب البريطاني على فلسطين وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية ظهور العديد مِن الزعماء والقادة الفلسطينيين الوطنيين، الذين أعلنوا رفضهم لـ"وعد بلفور"، وعارضوا الهجرة الجماعية لليهود إلى فلسطين، ثم تطور كفاحهم ليتضمن كذلك الاعتراض على سياسة سلطة الانتداب البريطانية نفسها، بعد أن تيقنوا مِن تواطؤها وانحيازها التام إلى جانب الحركة الصهيونية.

ومِن أشهر قادة تلك الفترة: "الحاج أمين الحسيني" مفتي القدس، أحد الزعامات الفلسطينية التي تحملت أعباء الكفاح المتصل في فلسطين ضد اليهود أولًا، ثم ضد سلطة الانتداب البريطاني ثانيًا.

كان -رحمه الله- عالمًا كبيرًا، ومفتيًا ذا حجة، وكان مجاهدًا؛ تزعم الحركة الوطنية على صغر سنه، وكان هادئ الطبع، كبير النفس، له نشاط دءوب، وشخصية جذابة جعلته يتمتع بشعبيةٍ كاسحةٍ، حيث التفت حوله القلوب والسواعد، وهو مفجر ثورة الفلسطينيين الكبرى في عام 1936م والتي استمرت حتى عام 1939م، والذي اضطر أثناءها إلى الهرب مِن بطش سلطة الانتداب البريطاني إلى خارج فلسطين، فعاش منفيًّا في الغربة لعشرات السنين، وحتى وفاته -رحمه الله-.

مولده ونشأته:

وُلد الحاج محمد أمين الحسيني عام 1897م، في قرية (قالونية) بالقرب مِن مدينة القدس. تعلم مِن والده الذي كان معروفًا بعلمه الواسع في الشرع الإسلامي، وأنهى تعليمه الابتدائي والثانوي في القدس. وتعلم الفرنسية في مدرسة (الفرير) بالقدس، ثم التحق بالأزهر في مصر فأكمل دراسته الشرعية والعربية فيه، فهو مِن أبناء الأزهر المجاهدين.

وفي مصر اتصل بالعلامة "محمد رشيد رضا" -تلميذ الشيخ محمد عبده- صاحب مجلة المنار، والتحق بدار الدعوة والإرشاد بالقاهرة التي كان الشيخ محمد رشيد رضا قد أنشأها عام 1912م لتخريج الدعاة المميزين. بالإضافة إلى حضوره للمحاضرات والدروس في كلية الآداب بالجامعة المصرية (جامعة القاهرة حاليًا).

مشاركته في الحرب العالمية الأولى:

عاد أمين الحسيني إلى القدس مع إعلان الحرب العالمية الأولى، حيث دعي إلى الجندية، ودخل المدرسة العسكرية لضباط الاحتياط باسطنبول، حيث تخرج ضابطًا، والتحق بالجيش حتى نهاية الحرب، فمارس عمله العسكري في الفرقة 46، وفي اللواء 145 على أطراف البحر الأسود، ثم في منطقة أزمير على البحر الأبيض المتوسط حتى نهاية الحرب.

العودة إلى فلسطين:

بعد نهاية الحرب عاد أمين الحسيني إلى وطنه، وشارك بالخطابة الحماسية في المظاهرات التي شهدتها المدن الفلسطينية احتجاجًا على الهجرة الجماعية لليهود إلى فلسطين في أعقاب انكشاف وعد بلفور، وسعي بريطانيا إلى تنفيذه، فتم القبض على أمين الحسيني وحكمت عليه محكمة عسكرية إنجليزية بالسجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة، لكنه نجح في الهرب لاجئًا إلى سوريا، ثم إلى شرق الأردن، ثم عاد إلى فلسطين بعد صدور قرار بالعفو عنه.

تولي منصب مفتي القدس:

بعد شهور مِن عودته، توفي أخيه الشيخ كامل الحسيني مفتي فلسطين في مارس 1921م، فتم اختياره لمنصب المفتي رغم صغر سنه؛ إذ لم يكن أحد ينازع آل الحسيني في هذا المنصب، فصار مفتي القدس مِن وقتها، رغم أنه لم يكن قد تجاوز الخامسة والعشرين مِن عمره، كما انتخب رئيسًا للمجلس الإسلامي الأعلى القائم على إدارة الأوقاف والمحاكم الشرعية الإسلامية بالبلاد.

ترميم المسجد الأقصى:

في عامي 1923م و1924م قاد أمين الحسيني حملة لجمع التبرعات لترميم المسجد الأقصى لما أصابه مِن الوهن وتقادم الزمن، وكتب في ذلك إلى زعماء المسلمين في البلاد العربية والإسلامية، وأرسل وفودًا إليها، ترأس هو بعضها، فكانت هذه خطوة مِن خطوات تنبيه المسلمين بالقضية الفلسطينية والاهتمام بها، وقد تم الترميم بالفعل في عام 1346 هجريًّا الموافق عام 1927 ميلاديًّا.

جهوده لمنع بيع الأراضي الفلسطينية لليهود:

تنبَّه أمين الحسيني مبكرًا لأطماع الحركة الفلسطينية في فلسطين، وخطر الهجرة الجماعية لليهود إلى فلسطين، وخطر شراء اليهود للأراضي لبناء المستعمرات اليهودية عليها.

وللحد مِن شراء اليهود للأراضي الفلسطينية قام بجهودٍ عديدةٍ، منها:

- إقراض الفلسطينيين المتعسرين مِن أصحاب الأراضي؛ لمنع تسرب أراضيهم لليهود.

- القيام بحملة اشترك فيها المجلس الإسلامي لمنع تسرب أراضٍ جديدة لأيدي اليهود، كان مِن نتائجها قيام بعض صغار الملاك بإيقاف أراضيهم وقفًا شرعيًّا لمنع بيعها وانتقالها للآخرين.

- التشهير في المساجد والاجتماعات العامة وفي الصحف بمَن يتساهل في بيع الأراضي لليهود، ووصفهم بخيانة الأمة.

في عام 1933م عُقد مؤتمر لعلماء وفقهاء فلسطين أفتى فيه المجتمعون بتحريم بيع الأراضي لليهود، ووصف مَن يفعل ذلك بالخيانة للأمة، وقد انبثق عن المؤتمر تشكيل (جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، التي تأسست لها فروع في المدن والقرى تتولى فيما تتولى تقوية الروح الدينية والوطنية.

وعند تأسيس بعض أنصار الحركة الوطنية لـ(الحزب العربي الفلسطيني) عام 1935م كان الحاج أمين الحسيني بمثابة الزعيم الروحي للحزب، وكان للحزب قواعد شعبية أكثر مِن غيره مِن الأحزاب الفلسطينية الأخرى.

المفتي والإخوان المسلمين:

كان هناك تعارف وتبادل مراسلات بيْن المفتي والشيخ حسن البنا -رحمه الله- منذ عام 1927م، وعندما سعى البنا إلي نشر دعوته خارج مصر قام في عام 1935م بإرسال مبعوثين (هما: الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي، ومحمد أسعد الحكيم) إلى فلسطين وسوريا ولبنان، فاستقبلهما المفتي في القدس، وشملهما بحفاوته. وخلال الثورة الكبرى عام 1936م كان تأييد الإخوان الواسع لها في مصر أحد أسباب جذب انتباه الهيئات والأحزاب السياسية لمناصرة القضية الفلسطينية، هذا إلى جانب دور الإخوان المسلمين المتطوعين في حرب فلسطين عام 1948م.

رئاسة اللجنة العربية العليا:

الصفحة التالية