الحاج "أمين الحسيني" مفتي القدس (الزعيم الفلسطيني الذي اتصل بالنازيين!)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
ترأس أمين الحسني (اللجنة العربية العليا) التي تألفت في 25 أبريل 1935م كقيادةٍ وطنيةٍ تشكلت مِن ممثلي الأحزاب الفلسطينية المختلفة وزعماء الحركة الوطنية، والتي كانت لها دورها الكبير في بداية الثورة الشعبية ثورة 1936م واستمرارها، وفي سبتمبر 1937م قررت سلطة الانتداب البريطاني في فلسطين حل هذه اللجنة، وقامت بمطاردة أعضائها واعتقالهم، ونفي البعض منهم؛ لذا قررت القبض على المفتي مما دفعه إلى مغادرة البلاد مرة أخرى فرارًا مِن السلطة البريطانية، فغادرها إلى بيروت حيث تابع إشرافه على إدارة الثورة الفلسطينية مِن هناك، وقد استمرت الثورة مشتعلة حتى مشارف الحرب العالمية الثانية، حيث قامت بريطانيا بالضغط على الحكام العرب لإثناء زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية عن الاستمرار في الثورة؛ مما ترتب عليه إضعاف الثورة حتى توقفت، وذلك بدعوى تمكين بريطانيا مِن مواجهة ألمانيا في الحرب مِن جهة، ولما أبدته بريطانيا مِن بعض التعاطف مع الفلسطينيين في الكتاب الأبيض الثالث الذي صدر عام 1939م.
زادت بريطانيا من ضغطها على فرنسا صاحبة الانتداب على لبنان لتسليمها الحاج أمين الحسيني؛ مما اضطره إلى الهرب سرًّا إلى العراق عام 1939م، ومنها إلى إيران، ومع دخول الإنجليز إيران مع القوات الروسية هرب الحسيني إلى تركيا.
التوجه إلى دول المحور:
مِن تركيا توجَّه أمين الحسيني إلى إيطاليا، حيث غلب على ظنه إمكانية الاستفادة مِن دول المحور -إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية- لعدائهما خلال الحرب العالمية الثانية لإنجلترا التي تطارده؛ فرأى أن دعم دول المحور القوي للفلسطينيين يُعد تأييدًا قويًّا للقضية الفلسطينية، فشعب فلسطين لم يكن قادرًا على الدفاع عن نفسه وحيدًا، فيحتاج إلى دعمٍ يأتي ممَن هو أقوى مِن بريطانيا -عدو الفلسطينيين-، ولم يكن في ذلك الوقت مَن هو أقوى مِن بريطانيا غير دول المحور: "ألمانيا وإيطاليا"، خاصة وأن انتصارات المحور في بداية الحرب العالمية الثانية تؤيد ذلك التوجه.
لقد كان انطلاق الحاج أمين الحسيني في سياسته لكسب ود ألمانيا ولإقامة علاقات معها مِن باب (عدو عدوك صديقك)، والاستفادة مِن التناقضات الدولية، فلم يكن توجه الحاج أمين الحسيني لدول المحور للمشاركة في القتال إلى جانبها، ولم يكن اعتناقًا للفكر الفاشي أو النازي، وإنما كان رغبة في تعاون مع دول المحور يخدم القضية الفلسطينية بتأييدها للفلسطينيين ضد بريطانيا، خاصة وأنه لا وجود استعماري -أو صدامي- لألمانيا -زعيمة المحور- في البلاد العربية.
وصل المفتي روما في منتصف النصف الثاني مِن عام 1941م حيث قابله الزعيم الإيطالي (موسوليني)، الذي رحب به وأبدى تعاطفه مع الشعب الفلسطيني.
الإقامة في ألمانيا:
رأى المفتي التوجه إلى ألمانيا؛ لأنها تتولى قيادة دول المحور مِن جهةٍ، ولكراهية هتلر للإنجليز ولليهود مِن جهة أخرى، وفي 8 تشرين الثاني 1941م ترك المفتي روما متوجهًا إلى ألمانيا بالقطار، حيث استقبله أدولف هتلر استقبالًا رسميًّا ورحب به، فمكث بها ثلاث سنوات ونصف سنة، مِن منتصف شهر أكتوبر 1941م إلى شهر مايو 1945م.
المفتي يستأنف نشاطه مِن ألمانيا:
في ألمانيا واصل أمين الحسيني نشاطه السياسي لخدمة القضية الفلسطينية، فأنشأ إدارة سُميت بـ(مكتب المفتي)، كان لها نشاط سياسي كبير للدفاع عن القضية الفلسطينية بمعاونة ألمانيا. وقد حصل المفتي على تعهدٍ مِن ألمانيا وإيطاليا في أبريل 1942م باعترافهما بالحرية والاستقلال للأقطار العربية الواقعة تحت الحكم البريطاني، ومنع إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين.
البدء في تكوين جيش عربي:
سعى المفتي إلي تكوين نواة لجيش عربي للدفاع عن القضية الفلسطينية في المستقبل.
وفي 2 تشرين الثاني عام 1943م وافقت الحكومة الألمانية على إنشاء هذا الجيش العربي، ثم أعلنت مد هذا الجيش بالأسلحة الخفيفة، وبدأت مرحلة تدريب المجاهدين وتجميع السلاح، وكان قوام هذا الجيش العربي مِن العرب الموجودين في ألمانيا، ومِن عمال عرب كانوا في اليونان التي سقطت في يد الألمان، وكان أكثرهم مِن الفلسطينيين، حيث سمحت لهم السلطات الألمانية بالالتحاق بمركز التدريب بناءً على رغبة المفتي، ولكن تراجع ألمانيا في الحرب، ثم هزيمتها النهائية منع المفتي من تحقيق حلمه (راجع في ذلك: "صفحات مِن حياة الحاج أمين الحسيني" تأليف: عوني جدوع العبيدي، ص 134-157) .
مغادرة المفتي لألمانيا:
لما اشتدت غارات طائرات الحلفاء على ألمانيا مع قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، ومع إصابة الدار التي يقيم فيها المفتي، قامت السلطات الألمانية بنقله إلى منطقةٍ بعيدةٍ عن الغارات الجوية، وبعد فترة قرر الحسيني مغادرة ألمانيا إلى فرنسا، التي دخلها في عام 1945م، وفي فرنسا تعرض للاحتجاز في أحد السجون بالعاصمة الفرنسية.
وخلال هذه الفترة في فرنسا:
ضغطت الحكومة البريطانية على فرنسا لتسليم المفتي إليها، فرفضت الحكومة الفرنسية الطلب البريطاني؛ لأنه غير موافق للقانون الدولي، وأعلنت أن المفتي في حمايتها، وتحفظت عليه في مكانٍ أمينٍ قرب العاصمة، بعيدًا عن العيون.
قام اليهود بحملة متصاعدة لإلصاق تهمة تعاون الحاج أمين الحسيني مع النازية -المهزومة- خلال الحرب العالمية الثانية، والمطالبة بمحاكمته كمجرم حربٍ مع النازيين، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل.
اللجوء إلى القاهرة والإقامة بها:
في عام 1946م غادر الحاج أمين الحسيني فرنسا سرًّا إلى القاهرة -عبْر رحلة طويلة- فوجد فيها الترحيب والحفاوة، فكانت مستقره ومنفاه الاختياري.
وتوالت الأحداث القاسية التي وقعتْ بعد الحرب العالمية الثانية، وترتب عليها ضياع فلسطين، وإعلان إنشاء دولة إسرائيل، وتبني دعاة القومية العربية الدفاع عن القضية الفلسطينية مِن دون الفلسطينيين، وظهور الاستياء في كثيرٍ مِن الدول الغربية مِن لجوء الحاج أمين الحسيني إلى دول المحور خلال الحرب العالمية، فتسبب ذلك كله في عدم تمكنه مِن التأثير في الأحداث.
رئاسة المفتي للهيئة العربية العليا: