شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (43) عبد الملك بن مروان وصراعه مع أهل العراق

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

ثم حاول عبد الملك محاولة أخرى: فأرسل إليه أخاه محمدًا ليقول له: "إن ابن عمك يعطيك الأمان"، فقال مصعب: "إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبًا أو مغلوبًا" (تاريخ الرسل والملوك 7/ 45) ، ثم دارت المعركة، وقُتل إبراهيم بن الأشتر وقٌتل معه جماعة مِن الأمراء، وجعل مصعب ينادي في أتباعه بأن يتقدموا إلى الأمام فلا يتحرك أحد، فجعل يقول: "يا إبراهيم، ولا إبراهيم لي اليوم!"، وبدأت خيانات أهل العراق تظهر، وتخلى أهل العراق عن مصعب وخذلوه حتى لم يبقَ معه سوى سبعة رجال! (الكامل في التاريخ لابن الأثير 3/ 53-54) ، ولكنه ظل يقاتل في شجاعة وبسالة حتى أثخنته الجراح، وأخيرًا قتله عبيد الله بن زياد بن ظبيان، وكان مقتله في المكان الذي دارت فيه المعركة على قصر دجيل عند دير الجاثليق في جمُادَى الآخرة سنة 72هـ - 691م.

فلما بلغ عبد الملك مقتله سجد شكرًا لله، وقال: "واروه، فقد والله كانت الحرمة بيننا قديمة"، وقد كان عبد الملك يحب مصعبًا حبًّا شديدًا، وكان خليلًا له قبْل الخلافة، ولما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك, بكى وقال: "متى تلد النساء مثل مصعب، ما كنتُ أقدر أن أصبر عليه ساعة واحدة مِن حبي له, حتى دخل السيف بيننا، ولكن هذا المُلْك عقيم" (تاريخ الرسل والملوك للطبري 7/ 44)، والبداية والنهاية 8/ 321) ، وكان ابن ظبيان فاتكًا رديئًا، وكان يقول: "ليتني قتلت عبد الملك حين سجد يومئذٍ؛ فأكون قد قتلت ملكي العرب!".

وبمقتل مصعب عادت العراق إلى حظيرة الدولة الأموية، وعيَّن عبد الملك أخاه بشرًا واليًا عليها، وقبْل أن يغادرها أَعَدَّ جيشًا للقضاء على عبد الله بن الزبير في مكة.

هذا ونشير إلى أن مِن أهم أسباب هزيمة مصعب بن الزبير: خيانة أهل العراق لاسيما بعض قادة الجيش، ومَن تبعهم، ثم إنهاك الجيش في معارك كثيرة طاحنة وشديدة، وربما كذلك عدم مد الخليفة عبد الله بن الزبير أخاه بالقوات قدر المستطاع؛ لا سيما مع كثرة العدد والعدة في جيش عبد الملك، ثم إقباله على القتال بعد انسحاب معظم الجيش، فكان لابد مِن نظرةٍ واقعيةٍ للواقع، وإعمال فقه الموازنات.

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هو عبد الملك بن الحكم بن أبي العاص بن أمية, أبو الوليد الأموي, وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية، ولد سنة 26هـ في خلافة عثمان، شهد يوم الدار وعمره عشر سنوات، وكان أميرًا على أهل المدينة وله ست عشرة سنة، ولاه إياها معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-، وكان يجالس الفقهاء والعلماء والعباد والصلحاء.

روى عبد الملك بن مروان الحديث عن أبيه، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وابن عمر، ومعاوية، ويزيد بن معاوية، وأم سلمة، وبريرة مولاة عائشة -رضي الله عنهم أجمعين-. وروى عنه جماعة، منهم: خالد بن معدان، وعروة بن الزبير، والزهري، وعمرو بن الحارث، ورجاء بن حيوة، وجرير بن عثمان وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وربيعة بن يزيد، ويونس بن ميسرة، وابنه محمد بن عبد الملك -رحمهم الله تعالى-، روى ابن سعد بسنده أَنَّ معاوية بن أبي سفيان جلس ذات يوم ومعه عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، فمر بهما عبد الملك بن مروان فقال معاوية: ما آدَبَ هذا الفتى وأحسن مُرُوَّتَهُ؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين إن هذا الفتى أخذ بخصال أربع، وترك خصالًا ثلاث: "أَخَذَ بِحُسْنِ الْحَدِيثِ إِذَا حَدَّثَ، وَحُسْنِ الِاسْتِمَاعِ إِذَا حُدِّثَ، وَحُسْنِ الْبِشْرِ إِذَا لَقِيَ، وَخِفَّةِ الْمُئُونَةِ إِذَا خُولِفَ. وَتَرَكَ مِنَ الْقَوْلِ مَا يَعْتَذِرُ مِنْه، وَتَرَكَ مُخَالَطَةَ اللِّئَامِ مِنَ النَّاسِ، وَتَرَكَ مُمَازَحَةَ مَنْ لَا يُوثَقُ بِعَقْلِهِ وَلَا مُرُوَّتِه" (الطبقات الكبرى 5/ 224) . وعن الشعبي، قال: "ما جالستُ أحدًا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عَبد المَلِك بن مروان فإني ما ذاكرته حديثًا إلا زادني فيه، ولا شعرًا إلا زادني فيه". وقال الأصمعي: "قيل لعبد الملك: عجل بك الشيب. قال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة" (تهذيب الكمال في أسماء الرجال) .

اشتهر عبد الملك بن مروان بالعلم والفقه والعبادة، فقد كان أحد فقهاء المدينة الأربعة، قال الأعمش عن أبي الزناد: "كان فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان". حتى قال نافع مولى عبد الله بن عمر: " أدركت المدينة وما بها شاب أنسك، ولا أشد تشميرًا، ولا أكثر صلاة، ولا أطلب للعلم، ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله مِن عبد الملك بن مروان".

وعن ابن عمر أنه قال: "ولد الناس أبناء، وولد مروان أبًا يعني عبد الملك!"، ورآه يومًا وقد ذكر اختلاف الناس، فقال: "لو كان هذا الغلام اجتمع الناس عليه". وقال رجاء بن أَبي سلمة، عن عبادة بن نسي: "قيل لابن عمر: إنكم معشر أشياخ قريش يوشك أن ينقرضوا، فمن نسأل بعدكم. فقال: إن لمروان ابنًا فقيهًا فسلوه" (تاريخ بغداد 10/ 388) .

وقد عُرف عن عبد الملك بن مروان فقهه وتقواه وملازمته لكتاب الله، فكان يسمى حمامة المسجد؛ لحرصه على المكث فيه، ومداومته قراءة القرآن، وقد استشهد الإمام مالك في الموطأ بفقهه وأحكامه وقضاياه، قال أبو بكر بن العربي: "فهذا مالك -رضي الله عنه- قد احتج بقضاء عبد الملك بن مروان في موطئه وأبرزه في جملة قواعد الشريعة... وأخرج البخاري عن عبد الله بن دينار قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان كتب: "إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإن بني قد أقروا بمثل ذلك" (العواصم مِن القواصم) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية