صفحات مِن ذاكرة التاريخ (43) عبد الملك بن مروان وصراعه مع أهل العراق
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
وكان عبد الملك بن مروان يحض الناس في خلافته على طلب العلم، فيقول: "إن العلم سيقبض قبضًا سريعًا، فمَن كان عنده علم فليظهره غير غال فيه ولا جاف عنه"، وكان يجد في الأذكار الصالحة، ويوصي بذلك أصحابه، فقد روي ابن أبي الدنيا أن عبد الملك كان يقول لمَن يسايره في سفره إذا رفعت له شجرة: سبحوا بنا حتى تأتي تلك الشجرة، كبروا بنا حتى تأتي تلك الشجرة، ونحو ذلك (البداية والنهاية 9/ 64) ، وكان في حياته الخاصة قد ترك سبل اللهو مِن الشراب والخمر والموسيقى والغناء، وقال الأصمعي عن أبيه عن جده: "وخطب عبد الملك يومًا خطبة بليغة، ثم قطعها وبكى بكاءً شديدًا، ثم قال: يا رب إن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم منها، اللهم فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي، فبلغ ذلك القول زاهد العراق الحسن البصري فبكى، وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام" (البداية والنهاية 9/ 67) ، وقال الشعبي: خطب عبد الملك، فقال: "اللهمّ إن ذنوبي عظام، وهي صغار في جنب عفوك، فأغفرها لي يا كريم" (تاريخ الإسلام للذهبي 6/146) .
(2) التوابون مجموعة مِن الشيعة، كان كثير منهم ممَن كتبوا إلى الحسين بن علي وهو في مكة بعد موت معاوية ليسير إليهم في الكوفة؛ فلما سار إليهم خذلوه وتخلوا عن نصرته، وأسلموه إلى المصير المؤلم الذي آل إليه، ولكن بعد استشهاده هزتهم الفاجعة، وعضهم الندم على تقصيرهم نحوه، فلم يجدوا طريقة يكفِّرون بها عن هذا التقصير الكبير، ويتوبون إلى الله بها مِن هذا الذنب العظيم سوى الثأر للحسين بقتل قتلته، فسُمُّوا بذلك: التوابين، وتزعمهم سليمان بن صرد الخزاعي، وسموه: أمير التوابين، وعلَّق ابن كثير على جيش التوابين بقوله: "لو كان هذا العزم والاجتماع قبْل وصول الحسين إلى تلك المنزلة لكان أنفع له وأنصر مِن اجتماعهم لنصرته بعد أربع سنين!" (البداية والنهاية 11/ 697) .
(3) هو المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذَّاب, كان والده الأمير أبو عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة الثقفي, أسلم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-, ولم تعلم له صحبة, استعمله عمر بن الخطاب على جيشٍ, فغزا العراق, وإليه تنسب وقعة جسر أبي عبيد, ونشأ المختار فكان مِن كبراء ثقيف, وذوي الرأي والفصاحة والشجاعة والدهاء، لكن قد تغيرت أحواله فيما بعد، وكان يزعم أن الوحي ينزل عليه على يد جبريل يأتي إليه، ظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي على مسرح الأحداث بعد موت يزيد بن معاوية سنة 64هـ, وهو مِن الشخصيات التي حفل بها العصر الأموي, والتي كانت تسعى لها عن دور, وتسعى إلى السلطان بأي ثمن، فتقلب مِن العداء الشديد لآل البيت على ادعاء حبهم والمطالبة بثأر الحسين (البداية والنهاية 11/ 66) .