شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المجاهد السوري عز الدين القسَّام (أشهر رموز الكفاح الفلسطيني)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن القضية الفلسطينية ليستْ قضية الشعب الفلسطيني وحده؛ ففلسطين أرض عربية إسلامية، غالبية أهلها مِن العرب المسلمين، والمسجد الأقصى مِن المساجد التي لها منزلة كبيرة في الإسلام ومكانة عالية عند جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وهو ثالث المساجد العظيمة التي يشد إليها الرحال.

والآيات القرآنية والأحاديث النبوية حول فضل القدس والمسجد الأقصى كثيرة معلومة؛ لذا لم يكن -ولن يكون غريبًا- أن يهب المسلمون -قديمًا وحديثًا- في مشارق الأرض ومغاربها لإنقاذ القدس والمسجد الٌأقصى وأهل فلسطين مِن العدوان والاحتلال، ولا يستطيع التاريخ مهما مرت السنون أن ينسى -أو يتناسى- يوم حرر صلاح الدين الأيوبي -المسلم الكردي الأصل- بجيوشه مِن الشام ومصر "القدس والمسجد الأقصى" مِن الاحتلال الصليبي الذي استمر قرابة التسعين عامًا!

وفي عصرنا الحاضر يكرر التاريخ نفسه؛ فعبْر تاريخ نضال وكفاح الشعب الفلسطيني لعقودٍ طويلةٍ في مواجهة الصهيونية ومَن يدعمها مِن الدول الغربية الاستعمارية، وفي مقدمتها بريطانيا زعيمة الدول الاستعمارية القديمة، ومِن بعدها أمريكا وريثة هذه الدول الاستعمارية، نرى العديد مِن النماذج التي شاركت الفلسطينيين نضالهم وكفاحهم، واعتبرت -بحق- القضية الفلسطينية قضيتها، وبذلت كل ما تملك مِن أجلها، بل جادت بروحها في هذا الجهاد الذي يوجبه الإسلام عليها.

ومِن أشهر أمثلة هذه النماذج المجاهدة: الشيخ السوري عز الدين القسَّام -رحمه الله-، الذي ضحى بكل ما يملك في نصرة القضية الفلسطينية ومحاربة اليهود ومَن ورائهم، حتى صار رمزًا بارزًا للكفاح مِن أجل فلسطين يذكر عبْر الأجيال.

المولد والنشأة:

وُلد محمد عز الدين عبد القادر القسام في عام 1300 مِن الهجرة (1883م)، في بلدة (جبلة) مِن قضاء (أعمال) اللاذقية في سوريا؛ نشأ في أسرةٍ متدينةٍ، درس بالجامع الكبير في جبلة حيث نظام الكتاتيب، ولما رأى فيه والده حبه للعلم أرسله للتعلم في الأزهر في عام 1314هـ (1896م)، وهو في الرابعة عشرة مِن عمره، فتعلم فيه قرابة عشر سنوات، وتأثر إلى حدٍّ كبيرٍ بالاتجاهات الوطنية السائدة في مصر وقتها، والصراع بيْن أصحاب المنهج التجديدي: كالأفغاني، ومحمد عبده ورشيد رضا، والحركة الوطنية التي أنشأها مصطفى كامل بعد هزيمة عرابي ودخول الإنجليز مصر، والاتجاه العلماني بقيادة أحمد لطفي السيد.

عاد إلى سوريا عقب تخرجه مِن الأزهر، وحصوله على الإجازة العلمية؛ فعمل مدرسًا وخطيبًا في جامع إبراهيم بن أدهم، وفتح في (جبلة) مدرسة في عام 1912م لتعليم الصغار نهارًا والرجال الكبار مساءً، ثم لما عُيِّن موظفًا في شعبة التجنيد كان يعقد بعد فراغه مِن العمل حلقات دراسية في المساجد، ولما صار خطيبًا في جامع المنصوري في وسط البلدة كان يتوافد على سماع خطبته الكثيرون مِن أنحاء القرية القريبة والبعيدة والقرى المجاورة.

جهاده ضد الفرنسيين:

احتل الأسطول الفرنسي اللاذقية والساحل السوري في عام 1918م -بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى- فبادر القسام ومعه بعض تلاميذه إلى مقاومتهم، وقيل إنه باع منزله ليشتري بثمنه سلاحًا للمقاومة؛ قام القسام بالتعبئة المعنوية لحثِّ الناس على القتال، وقام بتدريب مَن يتطوع منهم على السلاح، فلما اكتشف الفرنسيون أمره ضيقوا عليه، فتحصن وأتباعه في قمةٍ منيعةٍ اتخذها قاعدة له يُغير منها ومَن معه على المراكز العسكرية الفرنسية، فلما أعيا الفرنسيين أمره حاولوا استمالته وإغراءه فعرضوا عليه التوقف عن حركته، والسماح لعودته آمنًا إلى جبلة، وتعيينه قاضيًا شرعيًّا في المنطقة؛ فرفض.

فلما ضُيق عليه غاية التضييق، وانقطعت عنه وعن الثوار كل الإمدادات، ولم يجدوا المساعدة مِن القيادات السياسية في دمشق، ضعفت الثورة حتى توقفت، فانتقل إلى دمشق للدفاع عنها، فلما استولى الفرنسيون على دمشق عام 1920م غادرها إلى فلسطين.

قدومه إلى فلسطين:

قَدِم القسام إلى فلسطين فارًّا مِن الفرنسيين، حيث استقر في ضاحية (الباجور) قرب (حيفا)، وهناك تنبه مبكرًا للنشاط اليهودي في فلسطين، ورأى شعب فلسطين شعبًا مغلوبًا على أمره تحت الاحتلال البريطاني الذي يمهِّد لقيام وطن قومي لليهود، فكان مجيئه أشبه بصرخةٍ دوت على أرض فلسطين كلها.

حياته في حيفا:

عمل القسام في التدريس في بعض مدارس الجمعية الإسلامية في حيفا، وكان يقوم أيضًا بإعطاء دروس للعمال في القراءة والكتابة، وعند بناء جامع الاستقلال عام 1925م اختير للخطابة فيه، فجعل رسالته حث الناس على الجهاد؛ إذ كان يرى أنه ينبغي توجيه الإمكانات ضد الإنجليز لإخراجهم من فلسطين قبْل أن يتمكنوا مِن تحقيق وعدهم -وعد بلفور- لليهود، وكان يحذر الناس مِن التساهل مع الهجرة اليهودية، ويحثهم على مقاومة توطين اليهود في فلسطين، وفي عام 1929م أو 1930م، حصل على وظيفة المأذون الشرعي التي رأى فيها وسيلة مناسبة للاتصال بالناس في بيوتهم.

التمهيد للثورة المسلحة:

كانت فكرة العمل المسلح ضد المستعمر موجودة عند القسام، وتلح عليه منذ عودته مِن الأزهر إلى سوريا، وصحبته عند انتقاله إلى حيفا، وعلى هذا بدأ يدرس البيئة التي هو فيها ويتعرف على أحوال الناس وقضاياهم، ويدرس الخطط اليهودية والبريطانية في فلسطين، ثم بدأ في الإعداد ونشر روح الجهاد، وبناء القاعدة لتنظيمه وانتقاء عناصره، وساعده على ذلك قدرته على فهم طبائع الرجال وقدرته على الخطابة المؤثرة مستفيدًا مِن تولي شئون مسجد الاستقلال عام 1925م، ورئاسته لجمعية الشبان المسلمين عام 1926م.

جعل القسام نشاطه يتسم بالسرية التامة، واختياره لأعضاء التنظيم يتسم بالحذر الشديد، وبعيدًا عن مراقبة السلطات البريطانية والعصابات اليهودية، ودأب على تربية مَن اختارهم على معاني الجهاد، وتقويم أنفسهم وتهذيبهم بالعبادة ومجاهدة النفس؛ لذا كان إعداد التنظيم بطيئًا، يتخلله دراسة شخصية كل عضو وأحواله النفسية وتكرار اختباره.

الصفحة التالية