المجاهد السوري عز الدين القسَّام (أشهر رموز الكفاح الفلسطيني)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
وبعد التحقق مِن كفاءة المختارين للجهاد والعمل بدأت مرحلة الإعداد العسكري بالتدريب على المتاح مِن أدوات الحرب، ثم مرحلة التطبيق العملي السري مِن خلال عمليات جهادية فردية، انتظارًا لمرحلة إعلان الثورة.
ولقد احتاج الأمر إلى عدة سنوات، ولكن مما عجل بالتحضير العسكري لعناصر تنظيمه: الأحداث التي وقعتْ خلال ثورة حائط البراق عام 1929م، وقد اتصل القسام بالعديد مِن الزعامات العربية طلبًا لمؤازرته، ولكنه لم يجد دعمًا حقيقيًّا إلا مِن الأمير الأردني راشد بن خزاعي الفريحات، الذي أمده بمالٍ وسلاحٍ، ووفر للثوار الفلسطينيين الحماية في جبال عجلون الحصينة مِن وقتٍ لآخر.
بيْن "القسام" و"الحاج أمين الحسيني":
أرسل الشيخ عز الدين القسام أحد أعوانه إلى سماحة مفتي القدس الحاج أمين الحسيني الذي كان يقود الحركة الوطنية الفلسطينية في الثلاثينيات ليعلمه عن عزمه القيام بثورةٍ في فلسطين للقضاء على فكرة الوطن القومي لليهود، وذلك قبْل أن يبدأ القسام ثورته في عام 1935م بأشهر قليلة، وأخبر القسام الحاج أمين الحسيني عن رغبته في أن يشرع الحاج الحسيني في الإعداد للثورة والتهيئة لها في جنوب فلسطين، فكان رأي المفتي أن الوقت لم يحن بعد لمثل هذا العمل، وأنه يرى أن تحل قضية فلسطين بالطرق السلمية عن طريق المفاوضات السياسية لحصول عرب فلسطين على حقوقهم.
لقد كان المفتي في بداية عمله للقضية الفلسطينية يرى تجنب العمل العسكري المسلح الذي يراه القسام، على أمل أن يحصل الفلسطينيون على حقهم بأقل جهدٍ وتضحيةٍ بعيدًا عن الجو العسكري المسلح، ولكن الأيام أثبتت أن العمل الثوري المسلح ضد الإنجليز والصهاينة بلا تفريق بينهما هو ما كان ينبغي اتباعه؛ ولعل استشهاد القسام كان مفترق طريق للمفتي بعد ذلك، فكان الانتقال إلى العمل الثوري مِن جهةٍ، ثم مواجهة سلطة الانتداب البريطاني مع اليهود مِن جهة أخرى، بدءًا مِن مؤتمر عام 1936م الذي أشعل ثورة 1936م الكبرى، فكان استشهاد القسام نقطة تحول في مسيرة الحاج أمين الحسيني السياسية وقيادته للحركة الوطنية، فكانت قيادته للحركة السياسية مستندة -فيما تستند عليه- في إصدار القرارات واتخاذ المواقف على قوة الثورة الشعبية التي قام بتنظيمها ودعمها والإشراف عليها، واختيار الإعداد للعمل المسلح.
وكانت أخر وصايا المفتي، وصيته للملك حسين ملك الأردن عندما قابله في القصر الملكي بعمان أثناء زيارته الأخيرة للقدس التي أدى فيها الصلاة في المسجد الأقصى في مارس مِن عام 1967م، حيث قال للملك حسين: "احذروا الحلول السلمية؛ فجلالتكم تعلمون أن العرب مسالمون، والخصم يخادع؛ فاحذروا هذه الحلول!".
إعلان القسام للثورة:
عكف -رحمه الله- على تكوين قاعدةٍ مِن المناضلين الفلسطينيين، والإعداد للثورة الفلسطينية سرًّا، والتف حوله نفرٌ مِن المخلصين، وبدأ بالفعل في ممارسة المقاومة المسلحة في سرية في منتصف الثلاثينيات.
وفي 12 / 11/ 1935م قرر -بعد دراسة الموقف العام مع القيادات في تنظيمه- بدء الجهاد العلني، ومما عجل بهذا القرار -خروج القسام العلني- تكثيف السلطات لمراقبته، فخشي أن يُقبض عليه أو على رجاله الذين أعدهم على عينه فيفسد كل ما خطط له، إلى جانب ما رآه مِن تزايد الهجرة اليهودية؛ إذ تجاوز عدد اليهود وقتها 60 ألف يهودي، يتملكون نحو 73 ألف دونمًا مِن الأراضي الفلسطينية.
جمع القسام ما استطاع مِن السلاح وجمع خاصته مِن أتباعه وإخوانه، وغادر حيفا، بعد أن ودع الجميع أهاليهم، وذلك في ليلة 26-27 أكتوبر1935م، متجهين نحو قضاء جنين، وأقام في الجبال، وقام بتفريق بقية المجاهدين في القرى ليكونوا دعاة إلى الجهاد، وليكونوا القادة المحركين عند النفير العام.
وقد تنبهت السلطات البريطانية لخروجه وأصحابه؛ فبدأت في تعقبهم ومطاردتهم والتضييق عليهم مِن مكانٍ إلى آخر، فأصبحت تحركاتهم تلاقي صعوبة كبيرة، وحاصرتهم قوات السلطات عند قرية (يعبد)، ودارت معركة غير متكافئة بيْن الطرفين، بعد أن رفض القسام ورجاله الاستسلام مقابل النجاة مِن القتل، فقتل -رحمه الله- وثلاثة مِن رجاله في يوم 20 / 11/ 1935م (شعبان 1354هـ)، وجرح وأسر بعض رفاقه، أما الإنجليز فقتل منهم 15 قتيلًا.
وصدرت الصحف المحلية تحمل نبأ استشهاده في صفحاتها الأولى، فتدفق الناس لتشييع جنازته بعد نقل جثمانه إلى حيفا، فأغلقت حيفا محلاتها في يوم وداعه، وجاءت الوفود مِن كل أنحاء فلسطين للمشاركة، وساد الحزن أنحاء البلاد، وكان لاستشهاده أثرٌ عميقٌ في فلسطين كلها، بل تحول القسام إلى رمزٍ للنضال والتضحية والفداء، وألقت ثورته ظلالها على العمل السياسي والكفاح الوطني في فلسطين.
ونظرًا للسرية والكتمان التي كان يتسم بها عز الدين القسام في كفاحه المسلح فلم يَعرف الكثير مِن تفاصيل كفاحه، إلا ما رواه بعض رفاقه، وإن ظهرت آثار جهاده وثورته على حركة المقاومة الفلسطينية.
دور رجال القسام في ثورة 1936م:
لم يلقِ أتباع القسام السلاح بعد مقتله، فقد حدد لهم القسام مسؤوليات القادة مِن بعده، لكن تأخر امتداد الثورة عدة شهور بسبب وفاة القسام ومقتل عددٍ مِن القياديين واعتقال البعض، لكن أتباع القسام قاموا بالانتشار في الجبال وتنظيم الجماعات السرية "وخصوصًا في شمال فلسطين"، كما قاموا بالتحريض على الجهاد والثورة، وأعلنوا متابعة الجهاد في أبريل 1936م، أي بعد 5 شهور مِن استشهاد القسام، وكان لنشاطهم الأثر في قيام واستمرار ثورة 1936م الكبرى، وثبت أن كان هناك دورًا بارزًا لرجال القسام في قيادة وتوجيه وتنظيم الثورة خاصة في شمال فلسطين، وخاصة عند تجدد الثورة عام 1937م.
كتائب عز الدين القسام:
ويدل على بقاء القسام في ذاكرة المناضلين الفلسطينيين ظهور كتائب عز الدين القسم -الذراع العسكري لحركة حماس- بعد انتفاضة الحجارة عام 1987م، التي تتصدر حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة بقوةٍ فعالة ومؤثرة، جعلتها خصمًا حقيقيًّا للجيش الإسرائيلي، ورائدة في حقل المقاومة ضد الاحتلال، وهو ما حفر لها مكانة سامية في قلوب الفلسطينيين.