صفحات مِن ذاكرة التاريخ (44) عبد الملك بن مروان وصراعه مع عبد الله بن الزبير
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكرنا في المقال السابق أحداث الصراع بيْن عبد الملك وأهل العراق، والتي انتهت بمقتل مصعب -رحمه الله-، ولما بلغ عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- قتل أخيه مصعب، قام فخطب في الناس، فقال: "الحمد لله الذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك مَن يشاء، وينزع الملك ممَن يشاء، ويعز مَن يشاء، ويذل مَن يشاء؛ ألا إنه لن يذل الله مَن كان الحق معه، وإن كان فردًا، ولن يعز مَن كان وليه الشيطان وحزبه وإن كان معه الأنام طُرًّا -أي جميعًا-، ألا وإنه قد أتانا مِن العراق خبر أحزننا وأفرحنا، أتانا قتل مصعب -رحمه الله- فأما الذي أفرحنا فعلمنا أن قتله له شهادة، وأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة، ثم يرعوي بعدها ذو الرأي إلى جميل الصبر، وكريم العزاء، ولئن أصبت بمصعبٍ، لقد أصبت بالزبير قبله، وما أنا مِن عثمان بخلو مصيبة، وما مصعب إلا عبد مِن عبيد الله، وعون مِن أعواني، إلا أن أهل العراق -أهل الغدر والنفاق- أسلموه وباعوه بأقل الثمن، فإن يقتل فإنا -والله- ما نموت على مضاجعنا كما تموت بنو العاص، والله ما قتل منهم رجل في زحف في الجاهلية ولا الإسلام، وما نموت إلا قعصًا -القعص: الموت السريع- بالرماح، وموتًا تحت ظلال السيوف؛ ألا إنما الدنيا عارية مِن الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه، ولا يبيد ملكه، فإن تقبل لا آخذها أخذ الأشِر البطر، وإن تدبر لا أبكي عليها بكاء الحَرِق المهين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم" (تاريخ الرسل والملوك) .
وبعد مقتل مصعب انحصرت دولة ابن الزبير في الحجاز، ولم يكن في استطاعته الصمود لافتقاره إلى المال والرجال، كما أن مقتل أخيه مصعب قد فَتَّ في عَضُدِه، ولكنه لم يُلْقِ الراية، وظل يقاوم حتى النهاية ، وقد واجَه ابن الزبير عدة حملات عسكرية مِن الشام كحملة ابن دلجة القيني التي أتت في أواخر عهد مروان مِن الشام لقتال ابن الزبير، واستطاع ابن الزبير أن يتغلب على هذا الجيش (أنساب الأشراف للبلاذري) ، ثم جاءت حملة عروة بن أنيف في ستة آلاف إلى المدينة، وأمرهم عبد الملك ألا ينزلوا على أحدٍ، ولا يدخلوا المدينة إلا لحاجة ضرورية وأن يعسكروا "بال عَرْصة" - البقعة الواسعة بيْن الدور لا بناء فيها، وهما عرصتان بنواحي المدينة بالعقيق -، وسار عروة بن أنيف وعسكر بالعرصة، ومكث عروة على هذا الوضع شهرًا، ولم يبعث إليه ابن الزبير أحدًا، ولم تحدث أي مواجهة بين جيشي عروة وابن الزبير، عندها أمر عبد الملك هذا الجيش بالعودة إلى الشام فرجع ، ثم كانت حملة عبد الملك بن الحارث بن الحكم، وكان قوامها أربعة آلاف، وكانت مهمتها الحفاظ على المنطقة ما بيْن الشام والمدينة، ثم كانت حملة طارق بن عمرو، وكانت هذه الحملة هي آخر حملة وجهها عبد الملك بن مروان تجاه الحجاز (الدولَة الأمويَّة عَواملُ الازدهارِ وَتَداعيات الانهيار) ، ثم لم يضع عبد الملك بن مروان وقتًا بعد انتصاره على مصعب، وقرر أن يقضي نهائيًّا على دولة ابن الزبير ( العالم الإسلامي في العصر الأموي، عبد الشافي محمد عبد اللطيف ) .
ووقع الخيار لقيادة الجيش للقضاء على ابن الزبير على الحجاج بن يوسف، وتوجَّه بجيشه إلى الحجاز واستقر بالطائف، وبدأ يرسل بعض الفرق العسكرية إلى مكة، وكان ابن الزبير يرسل إليه بمثلها فيقتتلون وتعود كل فرقة إلى معسكرها، وفي محاولة لإنهاك ابن الزبير قام الحجاج بفرض حصار اقتصادي على مكة، وقد أثر هذا الحصار على ابن الزبير، وأصابت الناس مجاعة شديدة حتى إن ابن الزبير اضطر إلى ذبح فرسه ليطعم أصحابه (أنساب الأشراف للبلاذري) ، وفي الوقت نفسه كانت العير تحمل إلى أهل الشام مِن عند عبد الملك، السويق، والكعك والدقيق، وقد ترتب على تردي الأحوال داخل مكة، أن بدأ التخاذل يدب بيْن أنصار ابن الزبير، وبدأوا ينسحبون واحدًا تلو الآخر.
ومما شجَّع على تخاذل هؤلاء: إعطاء الحَجّاج الأمان لكل مَن كف عن القتال، وانسحب مِن جيش ابن الزبير (أنساب الأشراف للبلاذري) ، وأراد الحجاج بن يوسف الثقفي أن ينهي أمر ابن الزبير فكتب إلى عبد الملك بن مروان يطلب منه الإذن بقتاله ومناجزته، فأجابه عبد الملك بقوله: افعل ما ترى (أنساب الأشراف للبلاذري) ، فتوجه الحجاج ابن يوسف بجميع جيشه إلى مكة ونصب المنجنيق على جبالها (تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف لابن الضياء) ، وبدأ يضرب ابن الزبير داخل الحرم ضربًا متواصلاً (أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه للفاكهي ) ، وفي الوقت نفسه كانت بقية جيشه يقاتلون البقية الباقية مع ابن الزبير.
وتوسط بعض أعيان مكة "وعلى رأسهم ابن عمر" لدى الحجاج طالبين إليه أن يكف عن استعمال المنجنيق، فأجابهم: "والله إني لكاره لما ترون، ولكن ماذا أصنع وقد لجأ هذا إلى البيت؟ وكانت وفود الحج قد جاءت إلى مكة مِن كافة الأقطار الإسلامية، وقد منعهم مِن الطواف حول البيت ما يتعرض له الطائفون مِن خطر المنجنيق، ولما كان في ذلك تعطيل لركنٍ مِن أركان الحج، فقد تدخل في الأمر ابن عمر فكتب إلى الحجاج يقول له: اتقِ الله، فإنك في شهر حرام، وبلد حرام، وقد قدمت وفود الله مِن أقطار الأرض ليؤدوا فريضة الله، ويزدادوا خيرًا" (أنساب الأشراف للبلاذري) ، فأرسل الحجاج إلى طارق بن عمرو بأن يكف عن استعماله حتى ينتهي الناس مِن الحج، وقال لهم: والله إني لكاره لما ترون، ولكن ابن الزبير لجأ إلى البيت، وبعد ما انتهى موسم الحج، نادى الحجاج في الناس بالانصراف إلى البلاد، وأن القتال سيستأنف ضد ابن الزبير" (أنساب الأشراف للبلاذري) .