شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (44) عبد الملك بن مروان وصراعه مع عبد الله بن الزبير

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

وذكر غير واحد أنهم لما رموا بالمنجنيق جاءت الصواعق والبروق والرعود حتى جعلت تعلو أصواتها على صوت المنجنيق، ونزلت صاعقة فأصابت مِن الشاميين اثني عشر رجلًا؛ فضعفت عند ذلك قلوبهم عن المحاصرة، فلم يزل الحجاج يشجعهم ويقول: "إني خبير بهذه البلاد، هذه بروق تهامة ورعودها وصواعقها، وإن القوم يصيبهم مثل الذي يصيبكم، وجاءت صاعقة مِن الغد فقتلت مِن أصحاب ابن الزبير جماعة كثيرة أيضًا، فجعل الحجاج يقول: ألم أقل لكم: إنهم يصابون مثلكم، وأنتم على الطاعة وهم على المخالفة" (البداية والنهاية لابن كثير) .

ويروي البلاذري: أن العديد ممَن كانوا مع ابن الزبير حاولوا إقناعه بقبول أمان الحجاج بن يوسف، فلم يستجب ابن الزبير لمحاولاتهم، وأصر على القتال، وقد سطرت الروايات مواقف بطولية رائعة لابن الزبير -رضي الله عنه- في مواجهة كتائب الحجاج، وبالفعل بدأ الحجاج يضرب بعد انصراف الناس، وشدد على ابن الزبير، وتحرج موقفه وانفض عنه معظم أصحابه، وما زال أهل مكة يخرجون إلى الحجاج بالأمان ويتركون ابن الزبير حتى خرج إليه قريب مِن عشرة آلاف، فأمنهم وقل أصحاب ابن الزبير جدًّا، حتى خرج ابناه حمزة وخبيب، اللذان ذهبا إلى الحجاج وأخذا منه الأمان لأنفسهما! (الكامل في التاريخ لابن الأثير) .

فلما رأى ابن الزبير ذلك دخل على أمه فقال لها: "يا أمه، خذلني الناس حتى ولديّ وأهلي، فلم يبقَ معي إلا اليسير ممَن ليس عنده مِن الدفع أكثر مِن صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردتُ مِن الدنيا، فما رأيك؟! فقالت: أنتَ -والله- يا بني أعلم بنفسك، إن كنتَ تعلم أنك على الحق وإليه تدعو فامضِ له، فقد قٌتل عليه أصحابك، ولا تمكِّن مِن رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنتَ إنما أردتَ الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك، وأهلكت مَن قٌتل معك، وإن قلتَ: كنتُ على حقٍّ فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس مِن فعل الأحرار، ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا، القتل أحسن، والله لضربة بالسيف في عزٍّ، أحب إلي مِن ضربة بسوط في ذلٍّ، قال: إني أخاف إن قتلوني أن يمثِّلوا بي، قالت: يا بني إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها" (جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة، أحمد زكي صفوت) .

فدنا منها وقبَّل رأسها، وقال: "هذا والله رأيي، والذي قمت به داعيًا إلى يومي هذا، ما ركنتُ إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمته، ولكني أحببت أن أعلم رأيك، فزدتيني بصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أماه فإني مقتول مِن يومي هذا، فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر لله، فإن ابنك لم يتعمد منكرًا، ولا عمل بفاحشة قط، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به، بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي مِن رضا ربي، اللهم إني لا أقول هذا تزكية مني لنفسي، أنت أعلم بي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني، فقالت أمه: إني لأرجو مِن الله أن يكون عزائي فيك حسنًا إن تقدمتني، وإن تقدمتك ففي نفسي، اخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك.

قال: جزاك الله يا أمه خيرًا، فلا تدعي الدعاء لي قبْل وبعد.

فقالت: لا أدعه أبدًا، لمَن قُتل على باطلٍ فقد قٌتلت على حق، ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي، اللهم قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين" (تاريخ الرسل والملوك) .

فتناول يديها ليقبلها فقالت: "هذا وداع فلا تبعد. فقال لها: جئتُ مودعًا؛ لأني أرى هذا آخر أيامي مِن الدنيا، قالت: امضِ على بصيرتك وادن مني حتى أودّعك. فدنا منها فعانقها وقبلها، ثم أخذته إليها فاحتضنته لتودعه، واعتنقها ليودعها، وكانت قد أضرت في آخر عمرها، فوجدته لابسًا درعًا مِن حديد، فقالت: يا بني، ما هذا لباس مَن يريد ما تريد مِن الشهادة. فقال: يا أماه، إنما لبسته لأطيب خاطرك، وأسكن قلبك به. فقالت: لا يا بني، ولكن انزعه. فنزعه، وجعل يلبس بقية ثيابه ويتشدد، وهي تقول: شمر ثيابك. وجعل يتحفظ مِن أسفل ثيابه؛ لئلا تبدو عورته إذا قتل، وجعلت تذكره بأبيه الزبير، وجده أبي بكر الصديق، وجدته صفية بنت عبد المطلب، وخالته عائشة زوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وترجيه القدوم عليهم إذا هو قُتل شهيدًا، ثم خرج مِن عندها، فكان ذلك آخر عهده بها -رضي الله عنهما- وعن أبيه وأبيها، ثم قالت: امضِ على بصيرة فودعها وخرج" (البداية والنهاية لابن كثير) ، قال مصعب بن ثابت: "فما مكثتْ بعده إلا عشرًا"، ويقال: خمسة أيام (تاريخ الرسل والملوك للطبري) .

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.

الصفحة السابقة