عن الإرجاء ومسائل الإيمان
الشيخ ياسر برهامي • الإيمان والكفر
السؤال :
قد طالعنا كتاب فضيلتكم في الرد على الشيخ سفر ولنا بعض الملاحظات نرجو منكم توضيحها حيث إن هذا الأمر شغل الكثير عندنا حيث ذكرت فضيلتكم أن حديث الشفاعة ليس من المتشابه ص (405) ما نصه:
) لا يوجد أحد من أهل العلم يعد حديث الشفاعة من المتشابه، والمؤلف يزعم أن حديث الشفاعة متشابه يحتاج إلي إرجاعه إلى المحكم)
وقد وجدنا أن بعض أهل العلم يقول إن الحديث من المتشابه وهو الشيخ الراجحي في كتابه الأسئلة والأجوبة ما نصه:
(السؤال الثالث عشر : هناك بعض الأحاديث التي يستدل بها البعض على أن من ترك جميع الأعمال بالكلية فهو مؤمن ناقص الإيمان كحديث (لم يعملوا خيراً قط) وحديث البطاقة وغيرها من الأحاديث ؛ فكيف الجواب على ذلك ؟
الجواب :
ليس في هذه الأحاديث حجة لهذا القائل فمن ترك جميع الأعمال بالكلية وزعم أنه يكتفي بما في قلبه من التصديق كما سبق فإنه لا يتحقق إيمانه إلا بالعمل، وأما أحاديث الشفاعة وأن المؤمنين الموحدين العصاة يشفع لهم الأنبياء والأفراط والشهداء والملائكة والمؤمنون وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته ؛ يخرج قوماً من النار لم يعملوا خيراً قط ، قال العلماء : المعنى (لم يعملوا خيراً قط) أي زيادة على التوحيد والإيمان ولابد من هذا؛ لأن النصوص يُضم بعضها إلى بعض وقد دلت النصوص على أن الجنة حرامٌ على المشركين وقد ثبت في الصحيح أن النبي أمر منادياً ينادي في بعض الغزوات : (أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة) ولما أمّر أبا بكر في الحج في السنة التاسعة من الهجرة أرسل معه مؤذنين يؤذنون منهم أبو هريرة وغيره يؤذنون في الناس بأربع كلمات منها : (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عهد فهو إلى عهده ومن لم يكن له عهد فهو إلى أربعة أشهر) وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يدخل الجنة كافر قال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) فهذه نصوص محكمة وهذا الحديث يُرد إليها والقاعدة عند أهل العلم : أن المتشابه يُرد إلى المحكم .
ولا يتعلق بالنصوص المتشابهة إلا أهل الزيغ كما قال تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) وثبت في الحديث الصحيح عن عائشة –رضي الله عنها– أنها قالت: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) وأما أهل الحق فإنهم يردون المتشابه إلى المحكم ويفسرونه به وهذا الحديث فيه اشتباه لكنه يرد إلى المحكم من النصوص الواضحة المحكمة في أن المشرك لا يدخل الجنة وأن الجنة حرام عليه .
وكذلك فضيلتكم قال إن عبارة (الأعمال شرط كمال) هذا هو قول جمهور العلماء (ص413)
ووجدنا أن الشيخ الراجحي عندما سئل عن هذا الأمر أي قول شرط كمال قال ما نصه في نفس الكتاب:
(السؤال الثاني: هناك من يقول: (الإيمان قول وعمل واعتقاد لكن العمل شرط كمال فيه) ، ويقول أيضاً: (لا كفر إلا باعتقاد) ، فهل هذا القول من أقوال أهل السنة أم لا؟
الجواب :
ليست هذه الأقوال من أقوال أهل السنة، أهل السنة يقولون: الإيمان هو قول باللسان وقول بالقلب وعمل بالجوارح وعمل بالقلب، ومن أقوالهم: الإيمان قول وعمل، ومن أقوالهم: الإيمان قول وعمل ونية، فالإيمان لابد أن يكون بهذه الأمور الأربعة :
1- قول اللسان وهو النطق باللسان .
2- قول القلب وهو الإقرار والتصديق .
3- عمل القلب وهو النية والإخلاص .
4- عمل الجوارح .
فالعمل جزء من أجزاء الإيمان الأربعة، فلا يقال: العمل شرط كمال أو أنه لازم له فإن هذه أقوال المرجئة، ولا نعلم لأهل السنة قولاً بأن العمل شرط كمال .
وكذا قول من قال: (لا كفر إلا باعتقاد) فهذا قول المرجئة، ومن أقوالهم: (الأعمال والأقوال دليلٌ على ما في القلب من الاعتقاد) وهذا باطل، بل نفس القول الكفري كفر ونفس العمل الكفري كفر كما مر في قول الله تعالى (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) أي: بهذه المقالة .
السؤال الثالث : هل الأعمال ركن في الإيمان وجزء منه أم هي شرط كمال فيه؟
الجواب :
الإيمان قول باللسان وقول بالقلب وعمل بالقلب وعمل بالجوارح كما سبق .
ولا يقال: إنها شرط كمال أو إنها خارجة عن الإيمان أو إنها لازم من لوازم الإيمان أو من مقتضى الإيمان أو هي دليل على الإيمان إذ كل هذه من أقوال المرجئة (.
وكذلك ذكر الدكتور محمد أبو رحيم في كتابه (حقيقة الإيمان عند الألباني) ما نصه: (الإيمان عند الشيخ -رحمه الله- قول واعتقاد وعمل والعمل شرط في كماله)
هذا هو تعريف الإيمان عند الشيخ الألباني -رحمه الله- الذي لا مَحيد عنه عند من يعقل العربية ويعرف كلام العرب .
ولنا مع تعريف الشيخ هذا وِقْفَةٌ مِن ثلاثة جوانب :
الأول: من وافق الشيخ -رحمه الله- في العمل في مسمى الإيمان .
الثاني: مقابلة تعريف الشيخ -رحمه الله- بأقوال السلف .
الثالث: من أين أُتي الشيخ -رحمه الله-؟
الجانب الأول :
من وافق الشيخ -رحمه الله-؟
لم أجد أقرب لفهم الشيخ -رحمه الله- للعمل في مُسمّى وأنه شرط في كماله غير فهم الحافظ ابن حجر
- رحمه الله- من قول أبي عذبة الحسن بن عبد المحسن، حيث قال: "اعلم أن العمل ليس من أركان الإيمان خلافاً للوعيدية وليس ساقطاً بالكلية حتى لا تضر المؤمن معصيته خلافاً للمرجئة "
وبيّن البيجوري؛ أن المختار عند أهل السُّنة والجماعة (وهم عنده الأشاعرة) في الأعمال الصالحة أنها شرط كمال الإيمان.
مقابلة تعريفه -رحمه الله- بأقوال السلف:
لقد تنوعت عبارات السلف في تعريف الإيمان، ومع ذلك لم يُنقل عن أحدهم القول إنّ الإيمان قول واعتقاد وعمل والعمل شرط في كماله .
