شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عن الإرجاء ومسائل الإيمان

الشيخ ياسر برهامي • الإيمان والكفر

فمِن السَّلف من قال: الإيمان: قول وعمل، ومنهم من قال: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، ومنهم من قال: قول وعمل ونية، ومنهم من قال: قول وعمل ونية وعمل بالسُّنة. فأين نجد قولاً واحداً عن أئمة السلف أن الإيمان: قول واعتقاد وعمل، والعمل شرط في كماله؟ !

ولقد وضَّح شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- المقصود من عبارات السلف السابقة فقال: “إن من قال من السلف الإيمان: قول وعمل؛ أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ومن زاد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يُفهَمُ منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السُّنة؛ فلأن ذلك كله لا يكون محبوباً لله إلا باتباع السُّنة وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعاً من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الردّ على “المرجئة” الذين جعلوه قولاً فقط، فقال: بل قول وعمل، والذين جعلوه: أربعة أقسام فسّروا مرادهم كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقالوا: قول وعمل ونية وسُنَّة. لأن الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولاً وعملاً ونية بلا سُنُّة فهو بدعة ”

والسلف مع قولهم بركنية العمل في مسمّى الإيمان لا يجعلون ذلك متعلقاً بآحاده وأفراده كما هو الشأن عند الخوارج والمعتزلة، وإنما حصروا ذلك بجنسه وأما آحاده وأفراده فقد فصَّلوا القول فيها؛ فمنها ما هو شرط في صحة الإيمان ومنها ما هو شرط في كماله والفيصل في ذلك نصوص الكتاب والسُّنة وفهم السلف أنفسهم .

مما تقدم نقرر الحقائق التالية :

أولاً: إن للشيخ -رحمه الله- منهجاً مستقلاً في فهم العمل في مسمى الإيمان مغايراً لفهم السلف .

ثانياً: إن موافقة الشيخ -رحمه الله- للسلف في القول بدخول العمل في مسمى الإيمان لا تعدو اللفظ المجرّد، أما في الحقيقة والثمرة فالخلاف قائم لما يلي :

أ- إن القول بدخول العمل في مسمى الإيمان حقيقة لازمه أن يكون جزءاً من الماهية وركناً فيه، وقد التزم السلف ذلك ولم يلتزم به الشيخ -رحمه الله-.

ب- إن القول بالشرطية لازمه أن يكون العمل خارجاً عن الماهية، لكن الشيخ -رحمه الله- لم يلتزمه، بل قال بدخوله (حقيقة) دخول شرط كمال، وهذا مخالف لتعريف الشرط .

ج?- إن الشيء إما أن يكون ركناً في ماهية شيء ما وإما أن يكون شرطاً له، فإن كان ركناً فلا يمكن أن يكون شرطاً لذات الشيء الذي هو ركن فيه، وكذا لو كان شرطاً له فلا يمكن أن يكون جزءاً من ذلك الشيء الذي هو شرط له لأن الشرط خارج عن الماهية .

اعتراض مقبول ولكن ...

قد يقول قائل: إن الشيخ -رحمه الله- وافق السلف في زيادة الإيمان ونقصانه .

فيقال له: هذا حق؛ فقد قال -رحمه الله- في تعليقه وشرحه على العقيدة الطحاوية راداً على الحنفية الماتريدية: “فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير حقيقة في إنكارهم أن العمل من الإيمان، لاتفقوا معهم على أن الإيمان يزيد وينقص وأن زيادته بالطاعة ونقصانه بالمعصية .

لكن ينبغي أنْ يُتَفَطَّن إلى أصل المسألة، فإن مبنى القول بالزيادة والنقصان عند الشيخ -رحمه الله- يختلف عن مبنى القول ذاته عند السلف، لأن قول كل منهما ناشئ عن فهم العمل في مسمى الإيمان .

إن القول بالزيادة والنقصان من لوازم القول بركنية العمل في مسمى الإيمان، كما أنه لازم من لوازم القول بشرطيته شرط كمال.

لقد التزم السلف ذلك كما التزم القائلون بشرط الكمال هذا اللازم، ها هو البيجوري يقول بعدما عدّ الأعمال الصالحة من شرط الكمال: “فالتارك لها أو لبعضها من غير استحلال أو عناد للشارع أو شك في مشروعيته فهو مؤمن لكن فوّت على نفسه الكمال، والآتي بها ممتثلاً محصلٌ لأكمل الخصال ”

فقوله -رحمه الله-: “...فهو مؤمن لكن فوّت على نفسه الكمال والآتي بها ممتثلاً محصل لأكمل الخصال” يؤكد ما قلناه .

ثم اقرأ قول الحافظ -رحمه الله- في الفتح (1/46): “اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان فأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله، ومن هنا نشأ القول بالزيادة والنقص ”.

الجانب الثالث :

من أين أُتِي الشيخ -رحمه الله-؟

يرى بعضهم أن الشيخ -رحمه الله- في قوله إن الأعمال شرط في كمال الإيمان قد تأثر بما ورد عن الحافظ ابن رجب -رحمه الله- في فتح الباري (1/112) وبما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله- في كتابه الإيمان ص66 حيث قال: “فالأمر الذي عليه السُّنة عندنا ما نَصَّ عليه علماؤنا، مما اقتصصنا في كتابنا هذا، أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعاً، وأنه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان كما قال رسول الله في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءاً، فإذا نطق بها القائل، وأقرّ بما جاء من عند الله لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه بالاستكمال عند الله، ولا على تزكية النفوس، وكلما ازداد لله طاعة وتقوى ازداد به إيماناً ” .

أما ما ورد عن ابن رجب -رحمه الله- فقوله: “ومعلوم أنّ الجنة إنما يستحق دخولها بالتصديق بالقلب على شهادة اللسان، وبهما يخرج من يخرج من أهل النار فيدخل الجنة ” .

قلت: والأظهر عندي تأثر الشيخ -رحمه الله- بفهم الحافظ ابن حجر -رحمه الله- لقول السلف في الإيمان: "اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان"، قال -رحمه الله-: “وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله ” .

وسبب هذا الترجيح يعود إلى :

أ- أن الرأي الأول يقوم على الفهم والاحتمالية .

ب- أن منطوق كلام الشيخ -رحمه الله- يطابق منطوق كلام الحافظ ابن حجر -رحمه الله - .

ج- ثم لمكانة الحافظ ابن حجر -رحمه الله- عند الشيخ في قواعده وأصوله الحديثية .

فهم الحافظ ابن حجر في الميزان :

مهما يكن من أمر فإن فهم الحافظ ابن حجر -رحمه الله- للعمل في مسمى الإيمان ليس فيصلاً في المسألة للاعتبارات التالية :

الصفحة السابقة الصفحة التالية