شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عن الإرجاء ومسائل الإيمان

الشيخ ياسر برهامي • الإيمان والكفر

(3) - وهو يرد كذلك على من يلتزم بقول (لا كفر إلا باعتقاد) وهذا ليس بلازم لقول كل من يقول بأن العمل شرط كمال، فمن يقول ذلك من أهل العلم لا يلتزم أنه لا توجد أفعال كفرية بالجوارح كالسجود لصنم اختياراً والاستهزاء بالمصحف فإن كلهم يقول أن هذه الأفعال مكفرة فمن يشترط في ذلك الاستحلال فهو موافق للمرجئة فعلاً ، ولكن تبقى مسألة، أنه هل يتصور وجود كفر ظاهر- قولاً أو فعلاً- مع بقاء أصل الإيمان في القلب؟ أم لابد من زوال شيء من أركان الإيمان الواجبة من القلب، أو وجود كفر باطن في القلب؟ فالصحيح أن وجود الكفر الظاهر مستلزم إما لوجود كفر باطن كإباء واستكبار، وإما لزوال ركن واجب من أركان الإيمان والصحيح أن الأمرين متلازمان فالإباء مستلزم لزوال أصل الانقياد، والاستكبار مستلزم لانتفاء أصل القبول، والاستهزاء مستلزم لزوال أصل التعظيم لله سبحانه الذي هو جزء من ماهية عبادته واعتقاد ألوهيته ووحدانيته.

ونحن إنما نقول في الأعمال المكفرة الظاهرة -وكذا الأقوال- باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع، كالإكراه والخطأ والنسيان وعدم بلوغ الحجة ونحو ذلك، ولا نقول أن من الشروط الاستحلال للمكفرات، أو أن من موانع التكفير عدم الاستحلال، وإنما الاستحلال شرط للتكفير في المعاصي . ثم الخلاف في هذه المسألة بعد هذا التقرير الذي قررته يكاد يكون لفظياً، أما بدون هذا التقرير فهو خلاف كبير جداً بيننا وبين المرجئة الذين يسوون بين الشرك وما دونه فيشترطون الاستحلال فيهما للتكفير ، ونحن نقول لا يشترط الاستحلال في التكفير بارتكاب الشرك، وإنما يشترط في ارتكاب الذنوب ما دون الشرك، والشرك ونواقض الإسلام يشترط في التكفير بها عدم الإكراه وعدم الخطأ وباقي شروط التكفير كإقامة الحجة وزوال شبهة التأويل ونحو ذلك، فلا نزاع أن كلمة (اللهم أنت عبدي) كفر أكبر وكذا (وأنا ربك) لكن لو قالها القائل مخطئاً لم يكفر فالقصد شرط والخطأ مانع.

أما أن نشترط أن يكون مستحلاً ولو كان يقول عن نفسه أنه عاص ومقصر لكنه هازل مثلاً؛ فعدم تكفير هذا قول المرجئة كمن يقول عمن يسب الله تعالى والنبي -صلى الله عليه وسلم- والشرع أنه غير مستحل فلا يكفر، فهذا قول باطل بلا شك بل هو كافر إلا أن يكون مجنوناً أو صبياً أو مكرهاً أو نحو ذلك.

4 – التلميح بأن الشيخ الألباني وافق قول المرجئة في قوله أن الأعمال شرط كمال لا نوافق عليه ولابد أن ينظر إلى استعمال كلمة (شرط) في السياق خصوصا أن الشيخ -رحمه الله- يصرح أن العمل من الإيمان بخلاف الأشاعرة.

5 – إذا كان السلف لم يصرحوا بأنه شرط كمال لكنهم يصرحون بأن ترك الأعمال الواجبة من غير جحود لا يكفر ولا يخلد في النار والكلام بتفاصيله تجده في كتاب "الرد على ظاهرة الإرجاء"، فيبقى الخلاف في النقل عنهم لفظيا، ثم أين في كلام السلف أن العمل ركن في الإيمان يزول الإيمان بزواله جنساً أو آحادا، لا يستطيع المخالف أن ينقل حرفاً عن الأئمة فيما يقول، وما يذكرونه عن الشافعي والآجري وأبى ثور فإنما هو في الرد على المرجئة الذين يثبتون الإيمان مطلقا بلا عمل ويقولون ينفع بلا عمل، فهل قلنا يكفي الاعتقاد والنطق عن العمل؟، فتأمل قول الآجري "فمن لم يصدق الإيمان بعمل جوارحه مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه ذلك ورضى من نفسه المعرفة لا يكون مؤمنا"، فهل تقولون أن الآجري يكفر تارك الجهاد وأشباه ذلك؟ وأين في كلامه (جنس العمل أو آحاده)؟، لكنه يرد على المرجئة في قولهم أن الإيمان يحصل مطلقا أي كاملا لأنه ليس عندهم ناقص ولا كامل، بل كله كامل -مع ترك العمل-، وأما النقل عن سفيان بن عيينة فسنده ضعيف لضعف سويد بن سعيد، ثم لو صح فمحمول على الإباء والاستكبار فإنه يستدل عليه بحال إبليس وعلماء اليهود وهذا ظاهر جداً وليس في التارك تكاسلاً ويمكن أن تراجع هذا بالتفصيل في كتاب "الرد على ظاهرة الإرجاء"

6 - أين في أدلة الكتاب والسنة وأقوال السلف أن جزء الماهية يكون ركناً في الشيء يزول بزواله، فالشجرة لها فروع هي منها بلا شك ولا يلزم من قطعها زوال أصل الشجرة، والكلام عن الركن والشرط محاكمة للشيخ الألباني على اصطلاح لم يلتزمه هو ولا من قبله من العلماء ولا حتى الشيخ الراجي نفسه.

وأظن أن من يعترض على الشيخ قد أُتي هو من مثل هذه المحاكمة إلى اصطلاحات المتكلمين مع إغفال معنى الركن والشرط شرعاً ولغة، فركن الشيء لغة جانبه كالركن اليماني للبيت وقد قال النبي -صلى الله عليه و سلم- ( إن أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شرطين في بيع، وهذا يشمل عند عامة أهل العلم الأركان الاصطلاحية والشروط الاصطلاحية معاً.

فمن قال إنه يقصد بالركنية الجزئية ولا يلتزم بزوال الإيمان بالكلية لمن ترك الأعمال الظاهرة فلا نختلف معه وإن كنا نطلب منه توضيح قصده لئلا يتلبس الأمر على غيره، وأما من يقصد بالركنية زوال الإيمان بالكلية بزوالها، فمناقشتنا معه تجدها في كتاب (الرد) وافية إن شاء الله. وأرجو أن يكون هذا الرد كافياً لكم إن كنتم من طلاب العلم الباحثين عن الحق بالأدلة. وإن كنتم إنما تتبعون من تثقون به من العلماء أفلا يكفيكم كلام أهل السنة بإطلاق أن الإيمان قول وعمل؟ وألا يكفيكم نقل الخلاف في تكفير تارك المباني الأربعة دون غيرها؟ وألا يكفيكم القول بأنه يلزم ترك الشرك ونواقض الإسلام في إغلاق هذا الملف حتى يمن الله عليكم بالقدرة على الترجيح بالأدلة دون مجرد أسماء المشايخ.

ونسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق لما يحب ويرضى.

الصفحة السابقة