شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عن الإرجاء ومسائل الإيمان

الشيخ ياسر برهامي • الإيمان والكفر

أ- لمعارضة فهم الحافظ -رحمه الله- فهم السلف فإنهم يرون ركنية العمل في مسمى الإيمان لا شرطيته، ومع قولهم هذا فإنهم لا يجعلون ذلك متعلقاً بآحاده وأفراده كما هو الشأن عند الخوارج والمعتزلة وإنما حصروا ذلك بجنسه، أما آحاده وأفراده فقد فصل السلف القول فيه. فمنها ما هو شرط في صحة الإيمان ومنها ما هو شرط في كماله والفيصل في ذلك نصوص الكتاب والسُّنة وفهم السلف أنفسهم .

ب- ولما عُرِف عن ضبط الحد المنطقي للمحدود بأركانه المميزة له عن غيره لا بشروطه. فأركان البيت في المحسوسات، والإيجاب والقبول في البيع في المشروعات، والقول والعمل في الإيمان -عند السلف- في الاعتقادات .

ج?- لما عهد عن شرّاح الحديث المتأخرين عدم تحريرهم -غالباً- لمسائل الاعتقاد على منهج السلف الصالح .

وكذلك قول أهل العلم الآتية

قال أبو ثور -رحمه الله- ملزماً المرجِئَة: “أرأيتم لو أنَّ رجُلاً قال: أعملُ ما أمر الله به ولا أُقِرُّ به، أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم، فإن قال: أُقِرُّ بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئاً أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: ما الفرق! وقد زعمتم أن الله عزّ وجلّ أراد الأمرين جميعاً، فإنْ جاز أنْ يكون بأحدهما مؤمناً إذا تَرَك الآخر جازَ أن يكون مؤمناً إذا عمِل ولم يقرّ لا فرق بين ذلك ”

. قال الآجري -رحمه الله-: “فالأعمال -رحمكم الله تعالى- بالجوارح، تصديق للإيمان بالقلب واللسان، فمن لم يصدق الإيمان بعمل جوارحه، مثل الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد وأشباه هذا، ورضِيَ من نفسه بالمعرفة والقول لم يكُن مؤمناً، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه العمل بما ذكرنا تصديقاً منه لإيمانه.. إن الإيمان لا يكون إلا بالعمل.. خلاف ما قالت المرجِئة الذي لعب بهم الشيطان. ”

فاقرأ قول سفيان بن عيينة، قال -رحمه الله-: “المرجئة سموا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم وليس سواءً لأن ركوب المحارم متعمداً من غير استحلال معصية، وترك الفرائض من غير جهلٍ ولا عُذْر كُفْر. ”

وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل -رحمهما الله-: حدثنا سويد بن سعيد الهروي، قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء فقال: يقولون الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل، والمرجئون أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مُصِراً بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم وليس سواءً؛ لأن ركوب المحارم من غير الاستحلال معصية وترك الفرائض متعمداً من غير جهل ولا عذر هو كفر.. فركوب المحارم مثل ذنب آدم وغيرهم من الأنبياء، أما ترك الفرائض جحوداً فهو مثل كفر إبليس، وتركها على معرفة من غير جحود فهو مثل كفر علماء اليهود ” .

الجواب :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

1 - قولي "إنه لا يوجد أحد من أهل العلم يعد أحاديث الشفاعة من المتشابه" عنيت به أهل العلم المتقدمين من أئمة السنة فإنه لم يزل أهل السنة يردون بهذه الأحاديث على الخوارج والمعتزلة من جهة، وعلى المرجئة من جهة؛ إذ أن الوعيدية والمرجئة كلاهما يردان أحاديث الشفاعة وخروج عصاة الموحدين من النار؛ لأن كلاً منهما لا يرى خروج أحد ممن يدخل النار منها، إذ المرجئة يقولون أن أصحاب المعاصي كاملو الإيمان فلا يدخلون النار، والوعيدية يخلدونهم في النار. فالأحاديث من هذا الجانب محكمة لا متشابهة. أما كلام الشيخ الراجحي فهو يرد على من يقول أنه يصح إيمان من ترك جميع الأعمال بالكلية، وزعم أنه يكتفي بما في قلبه من التصديق، ولا شك أننا وكل أهل السنة نقول أنه لابد من أعمال القلب الواجبة ولا يكفي التصديق المجرد عن الانقياد والحب وغيرها . والشيخ يقول أيضاً: "قال العلماء لم يعملوا خيراً قط -أي زيادة على التوحيد والإيمان-"، ونحن نقول ذلك فعلاً، فلابد من ترك الشرك ونواقض الإسلام، فمن سمى ذلك عملاً فخلافنا معه لفظي لأننا نقول أن من لم يترك الشرك فهو مخلد في النار (بعد قيام الحجة بالطبع). فإذا كان قصد الشيخ من أن هذا من المتشابه بهذا الاعتبار فنعم، وليس من جهة أن لفظ (لم يعمل خيراً قط) دلالتها على أن ترك الأعمال الظاهرة مع وجود أصل الإيمان في قلبه دلالة غير صحيحة، فهذا لا نوافق عليه سواء قاله الشيخ الراجحي أم لم يقله، ولا نزاع بين أهل السنة أن الأحاديث إنما تدل على خروج عصاة الموحدين وليس المشركين من النار ولو لم يعملوا (أي عصاة الموحدين) خيراً قط.

2- أما مسألة أن الأعمال شرط أم جزء من الماهية فهذا لابد أن يتبين فيه أمران:

(1) الفرق بين استعمال كلمة (الشرط) في اللغة والشرع وبين اصطلاح المتكلمين وأن كثيراً من العلماء يستعملونها في المعني اللغوي والشرعي للكلمة ويقصدون بها ما هو جزء من الماهية وليس خارجاً عنها كاصطلاح المتكلمين

(2) إذا صرح بعض أهل العلم بأن العمل جزء من الإيمان ثم قال هو شرط كمال فلا يصح أن يحمل كلامه على المعنى الاصطلاحي فيقال قد أخطأ لأنه أخرج العمل من الإيمان لأنه جعله شرطاً، بينما هو قبلها بجملة أو جملتين يصرح بأنه من الإيمان، فعندما نقول إن العمل شرط كمال لا نعني بأنه خارج عن الماهية وأنه ليس من الإيمان ، بل الشيخ الراجحي نفسه يقول (وأما آحاده وأفراده فقد فصلوا القول فيها فمنها ما هو شرط في صحة الإيمان ومنها ما هو شرط في كماله والفيصل في هذا نصوص الكتاب والسنة وفهم السلف) فهل نقول بعد ذلك عنه إنه يقول إنه يخرج بعض العمل من الإيمان؟ أو ينسب لأهل السنة أن بعض العمل ليس من الإيمان لأنه يقول عنه شرط كمال؟ بالقطع لا، فإن ما هو شرط كمال عنده هو جزء من الإيمان وليس خارجاً عنه.

لذا نقول إن اتهام العلماء الذين يقولون بأن العمل شرط كمال بأنهم مرجئة أو موافقون للمرجئة معاملة لهم بالاصطلاح مع تصريحهم بأن العمل من الإيمان، خطأ مخالف للإنصاف.

الصفحة السابقة الصفحة التالية