شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

السلفية والصوفية: نصحٌ بعلم، وحكمٌ بعدل (1)

محمد السعيدي • قضايا معاصرة

رد علمي على ورقة بعنوان: "السلفية والصوفية، عداء لا ينتهي وحرب دائمة الاشتعال !"

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكثيرًا ما كانت المراكز البحثية تسعى لأغراضٍ غير واضحة في إصدار تقارير انطباعية لا تمتُّ للبحث العلمي بصلة، وتظهرها على أنها تقارير علمية، وتُطلق عليها وصفَ الدراسة دون أن تخضعها لأي قانون مِن قوانين البحث العلمي؛ وهذا مما يجعلها خطيرة حين يُعتمد عليها في تشكيل رأيٍ عامٍّ، وتكون أكثر خطرًا حينما يَعتمِد عليها متخذو القرار في أي بلدٍ مِن البلدان التي تمسُّها تلك الأوراقُ الموصوفةُ خطأً بالدراسة.

وإن مما تنطبق عليه المقدمة السابقة أشد الانطباق تلك الورقة الانطباعية الموصوفة خطأً بكونها دراسة، والتي أعدتها بوابة الحركات الإسلامية في مصر تحت عنوان: "السلفية والصوفية... عداء لا ينتهي، وحرب دائمة الاشتعال!".

ولن نقف هنا في نقد السلوك المنهجي في هذه الورقة، بل سندلف مباشرة إلى النقد العلمي، وسيدرك القارئ مِن خلاله: الفقر المنهجي الذي تعاني منه هذه الورقة!

حين يصل القارئ إلى نهاية الورقة سوف يُدرك الرسالة التي تريد الورقة إيصالها إلى القارئ؛ إذ ليس المراد بها بيان حقيقة العلاقة بيْن السلفية والصوفية؛ بل المراد إيصال القارئ إلى نتيجة: أنه لا حاجة بنا في ظل دولة المواطنة إلى المدارس الدينية، وأن مشكله دولة المواطنة ليست مع الصوفية، بل هي مع السلفية التي لا تقبل التعددية ولا المشورة... إلى ما هنالك مِن العبارات الهجائية التي يُلقيها الباحث على السلفية دون أن يقدم مستندًا علميًّا أو تاريخيًّا لهذه الهجائيات!

وهنا تبرز معضلة مِن معضلات البحث العلمي، وهي: عدم تحديد المراد بالمصطلحات؛ فلم يبيِّن الباحث مراده بالسلفية، ولا مراده بالصوفية؛ لذلك وقع في خلط ظاهر.

مِن أبرز ملامحه: أنه اتَّهم السلفيين باستحلال قتل الصوفية وتكفيرهم، وضَرَبَ مثالًا لذلك بتفجير مسجد الروضة شمال شبه جزيرة سيناء.

وهنا يظهر منتهى الخلط والمجازفة والبعد عن المنهجية العلمية؛ فإن تفجير مسجد الروضة حصل يوم الجمعة 24 / 11 / 2017 م، ومعلوم أن منطقة شمال سيناء ميدان صراع بيْن الخوارج التكفيريين المنتمين لـ"داعش" والقاعدة، وبيْن الجيش المصري، وقد كان تنظيم داعش أعلن مرارًا قبْل الحادث تكفيره للصوفية، وتهديده لصوفية قرية الروضة، وقام فعلًا بعملياتٍ مهاجمة لحلقات صوفية، وقتل بعض أقطاب الصوفية، كما هو مفصل في تحقيق صحفي نشرته مجلة المدن الإلكترونية بتاريخ 25 / 11 / 2017 م، بعنوان: "مَن يقف وراء تفجير مجزرة مسجد الروضة؟".

ومع أن داعش أو أيًّا مِن الجماعات التكفيرية في سيناء لم تتبنَ الحادث، ولم تصل الجهات الأمنية حتى اليوم لحقيقة مَن نفذ الهجوم؛ فإن داعش أو تكفيريِّي سيناء ممَن يناصبون الجيش المصري العداء ليسوا سلفيين، ولا يقر بانتمائهم إلى السلفية أي عالم معتبر؛ بل إن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية -وهي أقوى وأصدق تمثيل للسلفية- كانت مِن أوائل الجهات العلمية الشرعية الإسلامية براءة مِن داعش، ومن القاعدة، ومن التكفيريين عمومًا؛ حيث يرجع أقدم بياناتها ضد التكفير إلى عام 1980 م، حيث كانت السعودية من أوائل دول العالم ابتلاء بجماعات التكفير، وتوالت فتاوى هيئة كبار العلماء في ذم المنهج التكفيري ونسبته إلى الخوارج، وأصدرت بيانات ضد القاعدة وداعش؛ كما أن هيئة كبار العلماءالسعودية أصدرت بيانًا استنكرت فيه حادث مسجد الروضة في يوم وقوعه بتاريخ: 24 / 11 / 2017 م.

ومما جاء في البيان الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية: "إن علماء الإسلام يُحَرِّمون ويجرِّمون هذه الحوادث الإرهابية في أي مكان مِن العالم، والتي تحصد الأبرياء في أماكن العبادة وفي الطرقات والساحات العامة، ويوجبون إيجابًا شرعيًّا مكافحة الإرهاب، وملاحقة الإرهابيين للقضاء عليهم واستئصال شرورهم".

كما استنكرت الحادث: جماعة أنصار السُّنة المحمدية في مصر، وأصدرت "الدعوة السلفية في الإسكندرية" بيانًا تدين فيه الحادث، وتستنكره كما استنكره جميع العلماء والدعاةالسلفيين.

الشاهد مِن ذلك: أن نسبة هذه الحادثة إلى السلفية مِن أجل إثبات دعوى لا تقوم على ساق -وهي: أن السلفية تكفِّر الصوفية وتقتلهم-؛ مما يؤكد ضعف المسار العلمي لهذه الورقة، وأنَّ هذا الصنيع ليس هو إلا متاجرة بالأحداث مِن أجل تصفية حسابات علمية منهجية شرعية.

وهنا لا أحب أن يفوتني: التذكير بأن الجماعات التكفيرية في شمال سيناء تكفر السلفيين المصريين والممثَّلين في الدعوة السلفية في الإسكندرية، وجماعة أنصار السنة المحمدية، ويكفرون أعيان العديد من المشايخ والدعاة السلفيين في مصر، وقاموا بالفعل بقتل الداعية والخطيب السلفي في شمال سيناء الشيخ "مصطفى عبد الرحمن" -رحمه الله- في 24 أكتوبر 2015 م.

إذن؛ فجعل هذه الحادثة الأليمة الإجرامية المستنكرة عند السلفيين وغيرهم مثالًا على تكفير السلفيين للصوفية، واستباحة دمائهم يتضمَّن خطأين منهجيّين، وخطأين علميَّين؛ أما المنهجيان: فعدم تحديد الباحث مرادَه بالسلفية؛ لذلك يُدخِل فيها ما ليس منها. والآخر: أن الباحث ذكر في ورقته أنّ السلفيين يقسمون الصوفية إلى أقسام، وأن القسم الثالث هو الذي يكفره السلفيون -بزعم الباحث-، وعند تأمل المجني عليهم في حادث مسجد الروضة لا نجدهم مِن هذا القسم؛ بل هم مِن عامة المسلمين، وليسوا على نمط الحلاج وغيره مِن الأسماء التي أشار الباحث لها.

أما الخطآن العلميان: فنسبة هذا الحادث إلى السلفيين، وهي تهمة ليس لها سند علمي، بل الأسانيد العلمية ضدها. والآخر: وصف تكفيريِّي سيناء وداعش بالسلفيين، وهذا ما يستنكره السلفيون؛ إذ إن الجماعات التكفيرية تكفِّر السلفيين، كما أن السلفيين مِن أسرع الناس وأقدمهم براءة مِن هذه الجماعات، وأكثرهم ابتلاءً واصطلاءً بشرها.

نعود للسلفيين ودولة المواطنة:

مع أن هذه الفكرة جعلها كاتب الورقة في نهايتها، إلا أنني أرى البدء بالرد عليها قبل ما سواها، وذلك لأنها هي الرسالة التي أرادت الورقة إيصالها.

الصفحة التالية