شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

السلفية والصوفية: نصحٌ بعلم، وحكمٌ بعدل (1)

محمد السعيدي • قضايا معاصرة

حين ننطلق في الحكم على السلفيين مِن تعريف دقيق لهم -وهو الجانب المنهجي الذي أغفلته الدراسة- فإننا سنقول: هم مَن ينادون بالعودة في فهم الإسلام عقيدة وفقهًا إلى فهم السلف الصالح مِن الصحابة، كما تلقَّوه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإننا سنجد أن مَن ينطبق عليهم هذا الوصف مِن السلفيين هم عمليًّا أكثر مَن يحترم دولة المواطنة، سواء اتفق معها فكريًّا أم اختلف معها؛ فإن إيمان السلفيين بها جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن الأمر بالسمع والطاعة لولاة الأمر في المنشط والمكره، والصبر على ولاة الجور، والموازنة بيْن المصالح والمفاسد، والقول بأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وتقديم أخف المفسدتين عند تعارضهما؛ كل هذه القواعد المنهجية لدى السلفيين والتي تلقوها عن الشرع؛ تجعلهم أفضل الناس انسجامًا مع دولة المواطنة دون أن يؤدي هذا الانسجام إلى تنازلهم عن أصولهم وثوابتهم؛ لكن الإشكالية تأتي مِن بعض الدول التي تصف نفسها بدول مواطنة حين تحاول التضييق على السلفيين كي يتخلَّوا عن ثوابتهم؛ وذلك بالحيلولة بينهم وبيْن الدعوة بالحسنى أو منع بعض مظاهر التديُّن كالنقاب أو التضييق على مرسلي اللحى منهم.

والمشاهد: أن السلفيين بالرغم مما يحصل عليهم مِن التضييق في بعض الدول التي تصف نفسها بدول مواطَنَة؛ إلا أنهم لايخرجون مطلقًا عن انضباطهم في التعامل مع الدولة، وصبرهم على كل ما يحصل لهم، ومحاولة مدافعته بالحسنى.

ولننصرف إلى إثبات ذلك ببعض الأمثلة الواقعية:

السلفية والمواطنة في المملكة العربية السعودية: المملكة العربية السعودية دولة سلفية وفق ما صرح به مؤسسها الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله، ووفق ما صرح به الملوك من بنيه حتى الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله؛ ومع ذلك فهي دولة مواطنة، ولم تحُل سلفية الدولة دون أن تكون كذلك؛ ولذلك لم يدخل وصف الدولة بالسلفية في النظام الأساسي للحكم بجميع مواده؛ ومن أهداف ذلك حفظ حق الوجود المذهبي في بعض مناطق من الدولة، وجاءت المادة الأولى مِن النظام الأساسي هكذا: "المملكة العربية السعودية دولة إسلامية، ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-"، وجاءت المادة السابعة لتقول: "يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة".

وبما أن جميع المواطنين مسلمون فهاتان المادتان لا اعتراض عليهما عند أي مِن أفراد الشعب؛ والدولة انطلاقًا من هاتين المادتين تعطي المواطنين حقوقهم دون النظر إلى انتماءاتهم المذهبية؛ وبما أن الصوفية هم موضوع النقاش فهم في السعودية لا يعانون مِن أي تمييز حقوقي.

وعلى الصعيد العمليِّ فهم يمارسون جميع شعائرهم الخاصة بهم بشرطين:

الأول: أن لا تخالف هذه الشعائر النظام العام للمجتمع.

الآخر: أن لاتخالف هذه الشعائر الكتاب والسنة اللَّذين هما دستور الدولة والحاكمان على جميع أنظمتها.

ولذلك ومن منطلق هذه الحقوق استطاع المنتسبون للصوفية الوصول بكفاءاتهم الذاتية إلى مناصب حساسة وقيادية في الدولة، ومنها: عدد مِن الوزارات الهامة دون أن يكون انتماؤهم المذهبي حائلًا دون ذلك؛ كما وصلوا إلى مناصب علمية في التعليم والجامعات وبعض الهيئات الشرعية.

وعليه فبوسعنا الجزم بأن السعودية مثال لدولة مواطنة ناجحة، ولم تحُل سلفيتها دون ذلك؛ كما أنها لم تشهد على مدى تاريخها صراعًا سلفيًّا صوفيًّا على النحو الذي يحكيه التقرير؛ لأن أي محاولة لإذكاء أي صراع -سواء أكان من أطراف صوفية أم سلفية- يتم إنهاؤه بسرعة ودون حدوث أي تبعات وفقًا للكتاب والسُّنة.

الصفحة السابقة