السلفية والصوفية: نصحٌ بعلم، وحكمٌ بعدل (2)
محمد السعيدي • قضايا معاصرة
رد علمي على ورقة بعنوان: "السلفية والصوفية، عداء لا ينتهي وحرب دائمة الاشتعال !"
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
السلفية ودولة المواطنة خارج السعودية:
تنتشر السلفية "الحقة" التي تحدَّثنا عن تعريفها في العنوان السابق في جميع دول العالم الإسلامي، بل وفي أوروبا وأستراليا والأمريكيتين، وينتظم السلفيون في كل تلك الدول كمواطنين خاضعين للقانون، بل ومتجاوبين معه؛ وتكمن مشكلتهم في نسبة الجماعات التكفيرية نفسها إلى السلفية؛ وهذا الانتساب ينبغي أن لا ينطلي على المراكز البحثية العلمية، ولا على متخذي القرار في كل تلك الدول.
نعم، يختلف السلفيون في كل تلك الدول بيْن ناشطين في العمل السياسي في دولهم، وآخرين يؤثرون العمل الدعوي والإغاثي والتطوعي على العمل السياسي مع عدم اعتراضهم على الاشتغال بالسياسة، وفئة ثالثة ترى الاشتغال بالعمل الدعوي والتطوعي، ولا ترى جواز المشاركة في العمل السياسي.
كل تلك الفئات موجودة، لكنها كلها تجتمع في العمل ضمن القانون وداخل ولاية الدولة وسيادتها، ولا يمكننا في هذا الرد إثبات ذلك مِن خلال استعراض أوضاع السلفيين في كل أنحاء العالم، لكننا سوف نكتفي بالسلفيين في مصر أنموذجًا؛ لكون الورقة موضوع الرد منطلقة مِن هناك:
السلفية في مصر والمواطنة:
يمكن القول بأن أبرز القوى السلفية الظاهرة اليوم في مصر تتمثل في: جماعة "أنصار السنة المحمدية"، و"الدعوة السلفية في الإسكندرية"، والسلفيين السائرين على طريقة الشيخ سعيد رسلان ومَن وافقه، وهم أقل مِن الفئتين الأوليين.
فجماعة أنصار السنة تأسست منذ أكثر مِن مائة عام، وعاشت في ظل العهد الملكي والناصري، وفي عهد الرؤساء السادات ومبارك ومرسي، والرئيس السيسي اليوم؛ وهي بعيدة عن العمل السياسي، وتمارس الدعوة قدر المتاح نظامًا داخل المساجد التي تتولى الإشراف عليها، وعبْر القدوة الصالحة، وليس لها أي مشكلات مع دولة المواطنة، بل تطالب بشكل نظامي بحقوقها التي يكفلها لها النظام، ويطالب المنتمون لها بما يكفله النظام لهم من حقوق، دون أن يذكر التاريخ لها أي صدام مع الدولة؛ بالرغم مِن أنها عانت في أوقاتٍ عديدةٍ مِن التضييق، لكنها تجاوزت ولا تزال تسعى لتجاوز كل عقبة أو تضييق بما أوتيت مِن حكمةٍ وصبرٍ ولينٍ.
أما "الدعوة السلفية في الإسكندرية": فنشأت منذ ما يزيد قليلًا على الأربعين عامًا، وهي ذات نشاطٍ علميٍ ودعويٍ كثيفٍ وقويّ؛ وبسبب تزامن نشوئها مع حركة الجماعات الإسلامية المسلحة في مصر تعرضتْ عدة مرات للتضييق، وتعرض أفرادها للحبس والأذى، ومع ذلك لم تتَّهم هذه الجماعة بأي نشاط مخالف للنظام، سواء أكان ذلك في عهد الرئيس السادات أو مبارك، وكذا في عهدي الرئيسين: مرسي، والسيسي، وظل المنتمون لها محافظين على النظام، مطالبين بحقوقهم الوطنية وفق الأساليب المقررة نظامًا، ولم يلجؤوا في أحلك الأوقات لأي نوعٍ مِن العنف.
وبعد ثورة "25 يناير" رأى بعض السلفيين -وأكثرهم مِن المنتمين للدعوة السلفية في الإسكندرية- المشاركة السياسية عبْر إنشاء حزب سياسي؛ وبالفعل تم إنشاء "حزب النور"، وحصل بطريقة ديمقراطية نزيهة على 25% مِن مقاعد البرلمان؛ ومع ذلك لم تمكّنه السلطة في ذلك الوقت -وكانت للإخوان المسلمين ممثلين في الرئيس محمد مرسي العياط- مِن حقه في المقاعد الوزارية، فلم يُعطَ حزب النور أي وزارة أو أي منصب استشاري؛ مع إعطاء الأحزاب العلمانية واليسارية ما يقرب أو يزيد عن النصف مِن المقاعد الوزارية!
ومع هذا الغمط في الحقوق السياسية تعامل "حزب النور" وقواعده الشعبية مع الأمر بانسيابية تامة، ولم يقوموا بإثارة أي مشكلات مع الدولة؛ وبعد ذلك حلّ البرلمان؛ ثم جاءت "ثورة 30 يونيو"، والتي كانت تبعاتها مِن تولي الجيش للسلطة وعزل الرئيس مرسي غير مرحب بها لدى حزب النور؛ إلا أنه تعامل بواقعية تامة، وأبصر مآلات الأمور، ووافق على ما عُرف آنذاك بـ"خارطة الطريق"، وشارك في صياغة الدستور الجديد؛ وكان لمشاركته أثرها البالغ في النص على إسلامية الدولة ومصدرية الشريعة في ديباجة الدستور؛ وموقفه مِن خارطة الطريق لم يمنعه مِن إدانة الأسلوب الذي تم به فضّ تجمع رابعة، والنهضة، وعبَّر عن ذلك بشكلٍ نظاميٍ وحضاريّ يكفله له النظام والدستور.
ولستُ في صدد استعراض مواقف حزب النور، ولكني قدمتُ مثالًا على احترام السلفيين للمواطنة في دولة ترفع شعار المواطنة؛ ونجاحهم في العمل السياسي مع حرمانهم مِن حقوقهم السياسية، وهذا خلاف ما ادَّعت الورقة؛ حيث زعمت الورقة أن الفكر السلفيَّ لايقوم على مرونة تقبل الآخر!
وحين ننظر إلى جماعة أنصار السُّنة نجد أنهم تعاملوا مع المتغيرات السياسية بهدوءٍ تامٍّ، ولم يغيّروا مِن موقفهم الثابت مِن عدم الخوض في السياسة، ومِن الانشغال برسالتهم الأساسية وهي الدعوة.
وبالرغم مِن ابتعاد الشيخ رسلان والموافقين له عن المشاركة السياسية واختلافهم الشديد مع إخوانهم في الدعوة السلفية وأنصار السُّنة، إلا أنهم ظلوا على خط الوقوف مع الدولة وتقديم الأمن والسلم، والوحدة والاستقرار على غيرها مِن المطالب المهمّة.
نعم، هناك الكثير مِن السلفيين النخبويين -في القاهرة خاصة- مَن وقف مع الإخوان بعد "ثورة 30 يونيو"، واعترضوا بشكلٍ قويٍّ جدًّا على ما قام به الجيش مِن إجراءات، لكن لا يمكن أن يصنَّف ذلك في خانة الاعتراض على دولة المواطنة أو عدم قبول للآخر أو العجز عن قبول المشورة وغيرها مِن الصفات الهجائية التي أطلقها الباحث دون خطام ولا زمام؛ لكنه يقوم على تفسير سياسيّ لأحداث "30 يونيو"، وما وقع بعدها يختلف عن التفسير الذي قدَّمه الثوار والجيش؛ وهذا الأمر يعني بشكل أكبر خلاف ما ذكره الباحث من عدم المرونة، بل عدم المرونة هو في عدم وضع مثل هذه الاعتراضات في مكانها الصحيح؛ بل وعدم إيجاد تفسير لها سوى التفسير السلبي.
أنتهي هنا مِن التعليق على رسالة هذه الورقة لأخلص إلى النتائج التالية، وهي: