شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

السلفية والصوفية: نصحٌ بعلم، وحكمٌ بعدل (2)

محمد السعيدي • قضايا معاصرة

1- إن محاولة الخلط بيْن الجماعات الإرهابية التكفيرية وبيْن السلفية، عمل مرفوض فكريًّا، وساقط علميًّا، وواضح منه الإغراض والسّير وفق أجندة عالمية لمحاربة السلفية.

2- السلفية استطاعت إقامة دولة إسلامية لم تحل إسلاميتها وسلفيتها بيْن أن تعطي المواطنين على اختلاف توجهاتهم حقوقهم الفكرية والعملية، والعلمية والمادية، دون أن يؤثر ذلك على انتمائها الديني والسلفي، وأعني بها المملكة العربية السعودية؛ بل نقول بثقة: "إن السعودية هي أكثر الدول الإسلامية نجاحًا في ذلك، بالرغم مِن كون معظم الدول الإسلامية والعربية نشأت على أفكار ودعايات تتضمن حقوق المواطنة والعدالة، والحريات والديمقراطية، ومع ذلك لم تقدِّم لمواطنيها مِن ذلك إلا الزهيد، ومنها مَن جلبت لمواطنيها الضياع والحروب والدمار.

3- السلفيون في جميع الدول الإسلامية "وغير الإسلامية" مثال للانسجام مع الأنظمة، كما أنهم مثال للقدرة العجيبة على الاحتفاظ بشخصيتهم دون أن يكون لهذا الحفاظ تبعات خارجة عن النظام، وأي ردود فعل ناتجة عن موجات التضييق عليهم ومحاربتهم إعلاميًّا؛ لم تخرج أبدًا عن الحجم الطبيعي، كما أنها بقيت ردود فعل فردية لا تمثل الجماعة.

وهنا أنتقل إلى المناقشة العلمية لما أورده الباحث مِن معلومات حول السلفية والصوفية، ومِن مقارنات بينهما، وأبدأ أولًا:

تصريحات "علاء ماضي أبو العزايم" شيخ الطريقة العزمية:

نقل الباحث عن "علاء ماضي أبو العزايم" شيخ الطريقة العزمية الصوفية قوله: "إن بعض التيارات السلفية تكفر الصوفية، وتتعمد بثّ الشائعات، وعرض اقتراحات مثيرة للجدل؛ حتى يفسدوا على الصوفية موالدهم...".

هكذا نقل الباحث، لكن الحقيقة: أن علاء أبو العزايم لم يقل: "بعض تيارات السلفية"؛ بل كان حديثه شاملًا لجميع السلفيّين؛ فوفقًا لصحيفة اليوم السابع بتاريخ: "10/ 4/ 2018م" قال أبو العزايم ردًّا على السؤال عن تحريم السلفيين للاحتفال بالمولد: "إن هؤلاء ما هم إلا مجموعة لنشر الفتن في المجتمع، وهم يحرمون كل شيء؛ لأنهم إرهابيون، ولا يريدون أي نشر للتسامح ونبذ العنف، وهم يريدون أن تكون مصر غارقة في الدماء والإرهاب بشكل مستمر!".

وفي تاريخ: "26/ 4/ 2018م" نشرت اليوم السابع قول أبو العزايم ردًّا على ياسر برهامي القيادي في حزب النور السلفي: "إن السلفية هم المنهج الإرهابي الذي خرج مِن تحت عباءته كل الدواعش!".

إذن فاتهامات أبو العزايم ليستْ لبعض التيارات السلفية، بل هي لكل السلفيين، وبالأخص التيار المشارك في العمل السياسي، والذي يمتلك تمثيلًا في البرلمان المصري، والذي حصلت قائمته الانتخابية على قرابة مليون صوتٍ ( انظر مقال: تحليل نتائج حزب النور، صوت السلف، الأحد 3 / 4 / 2016 م) منخفضة عن قائمة الأكثرية في البرلمان -والتي شارك فيها أكثر من خمسين حزبًا سياسيًّا في مصر- بمائة ألف صوت فقط، وهو الحزب الذي لم يُعرف عنه ولا عن أيٍّ مِن قواعده المشاركة في أي عمل إجراميٍّ؛ كل ذلك يبيِّن مدى التجني الذي مارسه أبو العزايم؛ وهو عوضًا عن أن يرد على النقد العلمي الذي وجهه السلفيون لإقامة الموالد؛ كأن يبين أدلة مشروعية هذا العمل مِن الكتاب والسُّنة، وأفعال الصحابة أو أفعال العلماء مِن القرون الثلاثة؛ عوضًا عن ذلك قام بالاتهام بالتكفير والإرهاب وغيرها مِن التهم التي يعتبر إطلاقها دون دليل جريمة شرعًا وقانونًا!

فالذي يريد تفريق المجتمع حقًّا وإثارة الفتن فيه هو ذلك الذي يتّهم شريحة كبيرة منه عبرت صناديق الانتخابات عن قوتها الفائقة وشعبيتها مرتين : الأولى: حين حصلت على ربع مقاعد البرلمان في انتخابات ما بعد "ثورة 25 يناير"، والأخرى حين حصلت على ثاني عددٍ مِن الأصوات في الانتخابات البرلمانية بعد "ثورة 30 يونيو"؛ ولم يحل دون أن تكون القوة الأولى في البرلمان المصري سوى نظام القوائم الانتخابية الذي ينصّ على أن تفوُّق قائمة على أخرى بصوتٍ واحدٍ يقضي بإسقاط القائمة الأخرى بأسرها، مهما كانت حصيلتها مِن الأصوات!

فمَن يتّهم دون مبالاة بالإرهاب والتكفير فئة بهذا الحجم هو مَن يريد تقسيم المجتمع وإثارة الفوضى؛ أما مَن ينتقد إحدى الممارسات نقدًا علميًّا؛ فهذا الذي يعبّر عن المواطنة الحقيقية التي تكفل حرية التعبير في نقد الممارسات الخاطئة، والتي هي إحدى مقررات الدستور والنظام الإعلامي في مصر.

علاء ماضي والتكفير:

صحيح أن علاء ماضي ليس موضوع الورقة محلَّ نقدنا في هذا الرد؛ لكن تصدير الورقة بتصريحه، وانتهاء الباحث إلى نتيجة تعني إقرار ما أدلى به علاء ماضي، بل والزيادة عليه؛ كل ذلك يحتم علينا تنبيه القارئ إلى حقيقة الميول الفكرية لهذا الرجل، فما موقفه مِن التكفير حين يتّهم مخالفيه بالتكفير؟

علاء ماضي هو مؤلف كتاب: (يهود أم حنابلة؟!) الصادر عن دار الكتاب الصوفي عام 1999م، والواقع في 312 صفحة؛ وقد كان اسم الكتاب: (يهود لا حنابلة)، لكنه استمع إلى رأي الدكتور عبد العليم شلبي والذي اقترح عليه باستبدال (أم) بـ(لا)؛ كما صرَّح المؤلف بذلك في لقائه بقناة العالم الإيرانية سنة 2010م (اللقاء مفرَّغ منشور في عدد من المواقع، منها: موقع الغدير الشيعي بتاريخ 5/ 1/ 2010م) ، والكتاب عبارة عن مجموعة أكاذيب وترهات ينتهي منها إلى أن السلفيين كلهم ودون استثناء لا فرق بينهم وبين اليهود!

إذن مَن التكفيري؟!

ومَن الذي يفرق المجتمع؟!

هل هو مَن يناقش بعلميّة ويطرح التساؤلات حول مدى مشروعية ممارسة بشرية قابلة للنقد؛ كإقامة مولد في القاهرة للسيدة زينب، أم مَن يؤلّف كتابًا يصف ملايين مِن أبناء المدرسة السلفية منذ عهد ابن تيمية -أي مِن القرن السابع- حتى اليوم يصفهم بأنهم يهود، ويؤلف في ذلك كتابًا، ويؤلِّب عليهم طائفة مِن المجتمع ليخلَّ بالسِّلم والأمن العامّ؟!

ولأن الموضوع ليس خاصًّا بعلاء ماضي أكتفي مِن الحديث عنه بهذا القدر، وأظنه قدرًا كافيًا في بيان حقيقته ومدى لدده وفجوره في الخصومة، وبُعده كلَّ البعد عن المنهج العلميِّ، وعن مسالك المنصفين والمعتدلين.

الصفحة السابقة