السلفية والصوفية: نصحٌ بعلم، وحكمٌ بعدل (3)
محمد السعيدي • قضايا معاصرة
رد علمي على ورقة بعنوان: "السلفية والصوفية، عداء لا ينتهي وحرب دائمة الاشتعال !"
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
السلفيون وتكفير الصوفية:
السلفيون في التكفير منهجهم هو منهج الصحابة والتابعين ومَن تبعهم بإحسان، فلا يكفّرون بذنب، ولا يكفّرون معذورًا بجهل أو تأويل أو إكراه؛ وإذا ثبت كفر أحدٍ مِن المسلمين، ووجدت الشروط وانتفت الموانع؛ فلا يوقعون العقوبة عليه؛ لأن ذلك ليس إليهم، وإنما هو للجهات الرّسمية المعنية، فيحال للقضاء ويستتاب، وتقام عليه الحجة، ويحكم عليه القاضي بما يناسب حاله شرعًا.
وكُتُب علماء السلفية تَغُصّ بهذا الأمر؛ وفي هذا الرد سأكتفي بنصٍّ مِن رأس السلفية في العصر الحاضر، وهو الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، الذي أحيا الله به معالم الدين، وأقام به منهج السلف بعد طول غيبة واندثار، وكان مِن آثاره العظيمة التي لا ينقطع أجرها -إن شاء الله- هذه الدولة المباركة -المملكة العربية السعودية- التي قامتْ على دعوته، وبلغ نفعها في تجديد معالم الدين وحرب الخرافة مشارق الأرض ومغاربها، وهذا مِن عظيم فضل الله ومنته على هذه الدولة وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
يقول -رحمه الله-: "وإذا كنا لا نكفر مَن عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما؛ لأجل جهلهم وعدم مَن ينبّههم؛ فكيف نكفِّر مَن لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل؟! سبحانك هذا بهتان عظيم" (الدرر السنية، 1/ 66) .
وقال -رحمه الله- أيضًا: "وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة؛ فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله" (مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، 3/ 14).
وغير ذلك مِن المقولات له ولأبنائه، ولعلماء السلفية أجمعين، وبها وبمثلها نرد قول الباحث الذي أرسله دون بينةٍ، ويرمي السلفية بالتكفير حين قال في أول ورقته: "فالعبارات والجمل التي رددها المتصوفة... كفيلة بإخراجك مِن الدين والدنيا لو نطقت بها أمام الفصيل السلفي"، وقوله: "هكذا يُخرج السلفيون المنتمين للطرق الصوفية مِن الإيمان للكفر، وبالتالي يستحلّون دماءهم وأموالهم!".
كلام مرسل دون بينة! والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا به.
ومما لا يعلمه أكثر الناس: أن السلفيين في العصر الحاضر هم أكثر مَن ألفوا الكتب في الرد على دعاة التكفير؛ فإننا حين ننظر إلى علماء الصوفية في العصر الحاضر لا نجد لهم مؤلفات ترد على شبهات التكفيريين، وترد الآيات والأحاديث المتشابهة التي يستدل بها دعاة التكفير إلى محكمات الدين؛ لا تجد هذا النوع مِن الكتب إلا عند السلفيين وحدهم؛ أما مَن سواهم فمعظم مؤلفاتهم ومقالاتهم في هذا الباب منصبة على محاولة إثبات نسبة التكفير إلى السلفيين، هذا همهم الذي شغلوا أنفسهم به، أما الرد على دعاة التكفير فليس لهم كبير جهد فيه.
ولن أستعرض في هذا الرد مؤلفات علماء السلفية في الشرق والغرب في مواجهة الفكر التكفيري، بل سأقتصر على بعض مؤلفات السلفيين في مصر التي هي مصدر هذه الورقة:
1- كتاب (مسائل الإيمان والكفر) "للدكتور ياسر برهامي"؛ الرجل عينه الذي أثار نقدُه لممارسة الموالد تصريحاتِ علاء ماضي أبو العزايم.
2- (العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير)، للدكتور "أحمد فريد".
3- (سعة رحمة رب العالمين للجهال المخالفين للشريعة مِن المسلمين، وبيان عموم العذر في الدارين لأصول وفروع الدين)، تأليف: السيد بن سعد الدين الغباشي.
4- (لا إله إلا الله كلمة النجاة)، للدكتور ياسر برهامي.
5- (النكير على الخوارج ودعاة التكفير)، تأليف: الشيخ السيد حسين العفاني.
6- (إعلان النكير على غلاة التكفير)، تأليف: أحمد بن إبراهيم أبو العينين.
7- (فتح العلي الكبير في مسائل الإيمان والرد على شبهات التكفير)، تأليف: الشيخ عادل نصر.
وغيرها مِن الكتب التي تفرَّد السلفيون بكتابتها، بينما لا نجد جهدًا يشابه أو يقرب مِن هذا الجهد في الرد على شبهات الخوارج التكفيريين؛ وبهذا يتأكّد للقارئ مدى المجازفة والتجني اللذين أقدم عليهما كاتب التقرير.
كاتب التقرير يرد على نفسه:
لم يكد كاتب التقرير ينتهي مِن إرسال افتراءاته السابق ذكرها حتى ناقض نفسه حين ذكر: أن السلفيين يقسِّمون الصوفية إلى ثلاث طبقات؛ قال: "الطبقة الأولى: وكان يغلب على أكثرهم الاستقامة في العقيدة، والإكثار مِن دعاوى التزام السُّنة ونهج السلف، ومِن أشهر رموز هذا التيار أبو القاسم الخراز...".
وجه التناقض: أنه قبل شروعه في هذا التقسيم بسطرين فقط يذكر أن السلفيين يخرجون الصوفية مِن الإيمان للكفر، ويستبيحون دماءهم وأموالهم؛ فكيف يسوغ له هذا الحكم المطلق مع أنه يعلم أن السلفيين لديهم هذا العدل، وهذه العلمية في التقسيم، وأنهم يرون أن طبقة مِن الصوفية يغلب على أكثرهم الاستقامة في العقيدة.
ومما يجدر بيانه هنا: أن تقسيم الصوفية إلى ثلاث طبقات، وكامل النص الذي أورده الباحث منقول بحروفه مع شيءٍ مِن الاختصار عن كتاب: "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب"؛ وللأسف لم يشر الباحث إليها، مع أنه نقل منها نقلًا حرفيًّا؛ وهذا يوقفنا عند أحد العيوب المنهجية في هذه الورقة، والتي قلنا: إنها سوف تتضح في أثناء هذا الرد.
ومِن الأخطاء العلمية والمنهجية أيضًا: أن الباحث نسب هذا التقسيم إلى السلفيين مع أنه مجرد اجتهاد مِن كاتبي الموسوعة الميسرة يمكن تباحث أمر نقده وزيادة الطبقات إلى ست أو أكثر؛ صحيح أن الموسوعة الميسرة مجهود قدمته للعلم والعالم مؤسسة سلفية سعودية وهي:"الندوة العالمية للشباب المسلم"؛ لكن هذه الموسوعة تبقى كتابًا وصفيًّا علميًّا لا يعبِّر عن آحاد السلفية؛ فضلًا عن مجموعهم، وإن كان السلفية يرون تلك المنظمة وما تقوم به مِن أعمال تربوية ودعوية وعلمية وإغاثية مِن إنجازات بلادهم المحمودة.