شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

السلفية والصوفية: نصحٌ بعلم، وحكمٌ بعدل (3)

محمد السعيدي • قضايا معاصرة

ومِن تناقضات الباحث ورده على نفسه: أنه ذكر قبْل أسطر مِن نقله لطبقات الصوفية، كون الخراز مِن أصحاب البدع الشركية التي ترتكب باسم الصوفية، ويكفر السلفيةُ الصوفيةَ مِن أجله، ثم عند ذكر الطبقات يجعل الخراز مِن الطبقة الأولى التي يحكم السلفيون باستقامتهم على العقيدة!

أسباب العداء:

يتساءل الباحث عن أسباب العداء بيْن فصيلين كلاهما يشهد أن: "لا إله إلا الله"، ثم يسرد عددًا مِن القضايا يرى أنها اتهامات يوجهها السلفيون للصوفية، ويرى أن الوقوف على هذه التهم سوف يجعلنا نعرف هذا السبب.

وهنا نقف لبحث أمرين:

الأول: هل حقًّا يعادي السلفيون الصوفيين؟

والآخر: مناقشة الباحث فيما ذكره حول عدد مِن المصطلحات.

فهل حقًّا يعادي السلفيون الصوفيين؟!

السلفيون لا يعادون أحدًا مِن المسلمين؛ بل يشفقون على المسلمين، ويحرصون على الإسلام أشد مِن حرصهم على أنفسهم، ومِن منطلق الشفقة على المسلمين والحرص على الإسلام يقفون في وجه الدعوات التي تحاول صرف المسلمين عن الدين الصحيح الذي جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو الدين القيم الذي لاعوج فيه، والدين التام الذي لا نقص فيه، كما يقفون في وجه كل مَن يسعى لإدخال ما ليس مِن الإسلام، ويوهم عوام المسلمين أنه مِن الدين، وهو ليس مِن الدين في شيء.

وأسلوبهم في التعبير عن هذا الوقوف هو المطالبة بدليل مِن القرآن أو السُّنة أو حتى مِن قول أو فعل سلف الأمة مِن الصحابة -رضي الله عنهم- يدل على أن هذا العمل أو ذاك جاء به الشرع، وليس بدعة في الدين.

فكل ما يطلبونه هو الدليل لا غير؛ ولهم في هذه المطالبة مستندهم القطعي الثبوت، والقطعي الدلالة في كمال الدين وتمامه وقيامه، وحرمة الإحداث والابتداع فيه، وأستغني عن سردها هنا بالإحالة إلى بعض الكتب التي تخصصت في التحذير مِن الابتداع في الدين؛ ومنها: كتاب "البدع والنهي عنها" لمحمد بن وضاح القرطبي (ت 287هـ)، وكتاب "الحوادث والبدع "لأبي بكر الطرطوشي (ت 530هـ)، وكتاب "اتباع السنن واجتناب البدع" لضياء الدين المقدسي (ت643هـ)، وكتاب "الاعتصام" لأبي إسحاق الشاطبي (ت 790هـ)؛ وغير ذلك مِن الكتب التي ألفها أصحابها غيرة على الدين مِن أن تظهر في المسلمين البدع حتى يبتعدوا عما أنزل الله، ويستبدلوا بشريعة الله عبادات وعقائد وتصورات ما أنزل الله بها مِن سلطان!

لكن مطالبة السلفيين بالدليل على ما يُستحدث مِن البدع تُوَاجَهُ بالعجز، فيذهب هؤلاء إلى التأليب على السلفيين، ومحاربتهم وتشويه صورتهم، والكذب عليهم؛ عوضًا عن الرضوخ للحق والعودة إليه.

وقد كان هذا دأب خصوم المنهج السلفي مِن حين أن تسلطت البدع على المسلمين؛ لا يواجهون أتباع منهج السلف إلا بالتشويه واستعداء السلطات والدول عليهم، وما محنة الإمام أحمد وموت ابن تيمية في السجن إلا مثالان تاريخيان صارخان على هذا الأمر، ولم يكن الرجلان يعاديان أحدًا، وسيرتهما تشهد بأنهما لم يطلبا إلا الدليل؛ وكان الإمام أحمد يقول وهو يُجلد بالسياط: "آتوني آية أو حديثًا".

وفي مطلع عصرنا الحاضر -وأعني بالتحديد عام 1162هـ-: لم يكن السلفيون يعادون أحدًا، ولا يشكلون خطرًا على أحد، وكانوا يعيشون في واحة في وسط صحراء الجزيرة العربية اسمها: "الدرعية"، ومع ذلك وُجهوا بالتهديد والوعيد؛ وأرسل السلطان "محمود الأول" في تلك السَّنة رسالة إلى شريف مكة ومعها عشرون ألف ليرة ذهبية ليقتل الملحد (هكذا وصفه) محمد بن عبد الوهاب!

وما زالوا يرسلون لهم الجيوش مِن العراق والحجاز، والسلفيون يتقوَّون بقوة الله -تعالى-، وتتسع ديارهم؛ حتى أرسلوا لهم جيشًا عرمرمًا مِن مصر إلى أن وصل إلى الدرعية؛ فدمرها، وقتل مَن قتل، وهجَّر مَن هجَّر مِن علمائها وأهلها، وأسر مَن أسر، ثم تركوهم وتركوا نجدًا كلها لتعود حالها كما كانت قبْل الحكم السلفي، يعود إليها "الجهل والخوف والخرافة"؛ ذلك الثلاثي الذي يحول بيْن الأمم وبيْن الحضارة والرقي والوحدة.

وفي أيامنا الراهنة: ما العداء الذي فعله السلفيون في كل بلد إسلامي؟!

ليس لهم في كل بلد إلا الدعوة بالحسنى، والمطالبة بالدليل، وطلب العلم وتعليمه، فأين العداء في هذا؟!

ثم نرى الموقف منهم: التضييق عليهم في مساجدهم ودروسهم ومؤسساتهم، بل وصل الأمر إلى لحاهم وثيابهم ونقاب نسائهم؛ ثم بعد ذلك نسبة الحركات الخارجية التكفيرية إليهم؛ فأي عداء فعلوه؟! وأي عداء فُعل بهم؟!

ولا يُقَدِّم الباحث مثالًا واحدًا على عداء السلفية للصوفية، مع أنه قد افتتح ورقته بتصريحات "علاء ماضي" العدوانية!

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة