العدوان الإسرائيلي على مصر (1956م)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلم تكتفِ إسرائيل بانتهاكاتها خلال الهدنة المفروضة مِن مجلس الأمن خلال حرب فلسطين عام 1948م -والتي قوَّت فيها موقفها بعد استئناف القتال بما توفر لها خلال الهدنة مِن أعدادٍ وعتادٍ؛ مما أدى إلى هزيمة الجيوش العربية-، بل تمادت إسرائيل في انتهاكاتها، بانتهاكها للهدنة الدائمة التي وقعَّتها مع مصر في (رودس) في فبراير 1949م، بصورةٍ متكررةٍ تدل على ما طُبعت عليه دولة إسرائيل منذ نشأتها مِن الاستخفاف بقرارات الأمم المتحدة، وعدم احترام ما تتعهد به مِن التزامات، وهو ما سجَّله الكوماندر (هتشيسون) -الذي عمل مراقبًا في لجنة الهدنة في القدس، ثم رئيسًا للجنة الهدنة الأردنية الإسرائيلية- في كتابه: (الهدنة الدامية) الذي صدر في يناير 1956م، ليكشف فيه -بحيادية- انتهاكات إسرائيل الدموية للهدنة الدائمة التي وقعتها مع دول الجوار العربية في أوائل عام 1949م.
ثم بلغت إسرائيل قمة هذه الانتهاكات بمشاركتها لإنجلترا وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م، واحتلت خلاله إسرائيل أرض سيناء، قبْل أن تُجبر على الانسحاب منها، مكتفية بما حققته مِن مكاسب مِن الحرب.
ولا شك أن هذا العدوان الثلاثي يكشف ويؤكد تمسك إسرائيل بأحلامها وأطماعها في إقامة دولة كبرى في المنطقة تمتد مِن الفُرات إلى النيل، تحكم منها العالم كله، كما هو مدون في مؤلفات -ومصرح به في أحاديث- زعماء الحركة الصهيونية وقادة دولة إسرائيل، كما يؤكد دور الدول الغربية في مساعدة إسرائيل والتعاون والتنسيق معها في مواجهة الدول العربية، وهذا ما نحاول أن نلقي الضوء عليه مِن خلال التعرف على ظروف وأحداث هذه الحرب -حرب 1956م- بشيءٍ مِن التفصيل والإيجاز.
التفكك العربي بعد حرب 1948م:
لم يتعامل العرب كما ينبغي مع الدولة الجديدة الناشئة -إسرائيل-، رغم إدراكهم خطورة وجودها وخطر تطلعاتها في المنطقة العربية، فكالعادة افتقد العرب التكاتف والتنسيق والتنظيم، ولم يتم إعداد الجيوش العربية بدرجةٍ كافيةٍ لمواجهة إسرائيل -الخطر الكامن وسطهم-، وانشغل العرب بقضاياهم الداخلية، في الوقت التي واصلت فيه إسرائيل الوليدة تقدمها بخطوات إلى الأمام في تنفيذ أطماعها وتطوير قدراتها وإعداد العدة لحربٍ قادمةٍ ولا محالة، فتمادت في طرد الفلسطينيين مِن ديارهم وأراضيهم بالقوة، وقامت ضدهم بمجازر وحشية في فترة ما بعد حرب 1948م وأوائل الخمسينيات، وبصورةٍ لا تقل بشاعة عما وقع منها مِن قبْل، كما مارست الكثير مِن الانتهاكات للهدنة مع مصر والأردن، لعل مِن أشهرها الاستيلاء على قرية (أم الرشراش) المصرية، وقتل مَن فيها مِن رجال الشرطة المصريين، وقد أصبحت هذه القرية فيما بعد ميناء (إيلات) الإسرائيلي "المنفذ الوحيد لهذه الدولة المفروضة على المنطقة على البحر الأحمر" وبالتالي باب المندب.
وفي المقابل -أمام العجز العربي- تحولت القضية الفلسطينية إلى قضية لاجئين مشردين بعد أن عجز الحكام العرب عن اتخاذ مواقف تحفظ للفلسطينيين شيئًا مِن حقوقهم، وتحفظ للعرب كرامتهم، بينما باءت محاولات منظمة الأمم المتحدة لتسوية النزاع بيْن العرب وإسرائيل بالفشل؛ إذ لم تلقَ قبولًا، فصارت قراراتها أشبه بالمسكنات عند تصاعد الأزمات، وأصبح قصارى جهدها النظر في شئون مئات الألوف مِن الفلسطينيين الذين يعيشون في المخيمات على حدود وداخل الدول العربية المجاورة لإسرائيل، وتقديم الممكن مِن الرعاية لهم.
الأوضاع العربية قبْل العدوان الإسرائيلي في 1956م:
في مصر: استشرى الفساد الحزبي والسياسي، فقامتْ ثورة يوليو 1952م، التي لم تشكِّل خطرًا فوريًّا على إسرائيل؛ إذ انشغلت داخليًّا بالتعامل ضد قوى المجتمع القديم، والمطالبة بجلاء إنجلترا عن مصر، ولم تعد المشكلة الفلسطينية هي الأولى في قائمة الاهتمامات.
وفي سوريا: كان الانشغال بالانقلابات العسكرية، فمِن انقلاب (حسني الزعيم)، ثم (سامي الحناوي)، إلى (أديب الشيشكلي)، وبالتالي انصراف الجهود لمعالجة الأوضاع الداخلية في البلاد.
وفي العراق: استطاع (نوري السعيد) السيطرة على الأوضاع هناك، وقد تقدم بدعمٍ مِن بريطانيا باقتراح للعودة مِن جديدٍ إلى خطة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بيْن العرب واليهود، ولكن اقتراحه لم يلقَ القبول.
أما الفلسطينيون: فكانوا ممزقين مشتتين، مَن يعيش منهم داخل إسرائيل متمسكًا بأرضه يتعرض للتمييز العنصري، ويعاني مِن الحرمان مِن الحقوق والحريات الأساسية الذي تمارسه إسرائيل ضدهم، ومَن يعيش مع اللاجئين في المخيمات يعاني مِن نقص الرعاية الأساسية مِن تعليمٍ وصحةٍ، وسبل معيشة، وتفرق آخرون في أرجاء الأرض في العالم العربي أو خارجه، وانضوى بعضهم في اتجاهاتٍ وأحزاب سياسية مختلفة، انعكست اختلافاتها بعد ذلك على اتجاهات الفلسطينيين أنفسهم.
الأوضاع العالمية والإقليمية:
الموقف الفرنسي: أثار دعم مصر المادي والمعنوي للثورة في الجزائر التي تحتلها فرنسا، واستقبال مصر لحكومة القادة الجزائريين في المنفى حفيظة فرنسا ضد مصر، فكان ذلك مِن أسباب مشاركتها لإنجلترا وإسرائيل في العدوان الثلاثي.