العدوان الإسرائيلي على مصر (1956م)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
موقف إنجلترا: بدأت القوات الإنجليزية في الخروج مِن منطقة القناة بمقتضى معاهدة الجلاء عن مصر، حيث عقدت بريطانيا في عهد رئيس وزرائها (تشرشل) اتفاقية للجلاء في أكتوبر 1954م، بعد أن أفقدتها الأعمال الفدائية في منطقة القناة قدرتها على الاستمرار في البقاء، وامتنعت مصر عن الانضمام لحلف بغداد الذي أسسته بريطانيا وأمريكا لمواجهة خطر الشيوعية ومنع التمدد الروسي في المنطقة، بل سعت مصر إلى إفشال حلف بغداد بمنع انضمام الدول العربية الأخرى إليه، في ظل رفض مصر لسياسية الأحلاف، فاقتصر حلف بغداد على العراق وتركيا مِن دول المنطقة. وكان ذلك مِن أسباب عدم موافقة الغرب على تمويل البنك الدولي لمشروع السد العالي في مصر؛ مما دفع عبد الناصر إلى تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956م، مما أفقد بريطانيا ما كانت تربحه مِن القناة التي كانت تديرها قبْل التأميم، فقرر معه (إيدن) -رئيس وزراء إنجلترا بعد تشرشل- الهجوم على مصر بمشاركة فرنسا وإسرائيل للقضاء على نظام عبد الناصر واستعادة السيطرة على القناة.
الموقف الروسي: شهدت فترة الخمسينيات حدوث تقارب مصري - روسي حصلت معه مصر على سلاحٍ جديدٍ مِن الكتلة الشرقية، حيث تم شراء مصر لأسلحة تشيكية في عام 1955م.
عدم استعداد مصر للحرب:
رغم شراء مصر أسلحة جديدة مِن الكتلة الشرقية إلا أن قوة الجيش المصري لم تكن كافية لمواجهة عدوان ثلاثي مِن إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، خاصة في ظل امتناع الدول الغربية عن تزويد مصر بالسلاح الغربي، ولم يكن تسليح الجيش المصري كافيًا للقتال في جميع الاتجاهات الإستراتيجية، فيواجِه إسرائيل في سيناء، ويواجه إنجلترا وفرنسا في قناة السويس، كما أن اعتماد جيش مصر مِن قبْل على السلاح الغربي ترتب عليه حاجة الجيش إلى مزيدٍ مِن الوقت للتأقلم على السلاح الشرقي الجديد.
عدم اهتمام روسيا بالقضية الفلسطينية:
ورغم التقارب المصري الروسي في الخمسينيات فلم يبدِ السوفيت أي اهتمام بالقضية الفلسطينية، فلم تتعاطف روسيا مع قضية اللاجئين الفلسطينيين، وامتنعت باستمرار عن التصويت على قرارات الأمم المتحدة المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948م حتى عام 1955م، ولم يساهِم السوفيت في الدعم المالي لوكالة غوث اللاجئين، وامتنع السوفيت عن التصويت في القرارات المتعلقة بالقدس وأوضاعها، بل اعترفت روسيا بإسرائيل عند إعلانها في مايو 1948م، وقدَّم السفير الروسي أوراق اعتماده للحكومة الإسرائيلية في القدس عام 1954 م، وقد قابلت أمريكا وإسرائيل تلك المواقف مِن روسيا بارتياح، ويُلاحظ أيضًا أن روسيا لم تشارك في قوات الطوارئ الدولية في سيناء بعد نهاية حرب 1956م تمشيًا مع سياستها السابقة.
وقد اعتبرت إسرائيل التقارب المصري الروسي، وتزود مصر بالسلاح مِن الكتلة الشرقية تهديدًا لها؛ فأخذت تعد العدة للعدوان على مصر، خاصة عندما تلاقت مطامعها في مصر مع تزايد عداء إنجلترا وفرنسا لمصر؛ مما مهد لفرصة عدوان ثلاثي سارعت إسرائيل باستغلالها.
تجهيزات إسرائيل للحرب:
بدأت إسرائيل الاستعداد للحرب مبكرًا، حيث حصلت على طائرات فرنسية مقاتلة (قاذفات قنابل) مِن طراز (مستير)، حيث لم يكن لدى إسرائيل طائرات تقابل ما تمتلكه مصر، وقدَّم طيارون فرنسيون إلى إسرائيل كمرشدين، وكانت وحدات مِن سلاح الطيران الفرنسي تتخذ مِن قبرص قاعدة لها، كما شحنت فرنسا لإسرائيل في سرية أسلحة منذ أغسطس 1956م نقلت على سفن خاصة أعيد طلائها لهذا الغرض، وقد لاحظ رجال المخابرات الأمريكية ازدياد حركة المراسلة والاتصال الرسمية بيْن باريس وتل أبيب في الفترة مِن 23- 26 أكتوبر 1956م، وتوافد عدد مِن كبار الضباط الإسرائيليين على باريس، كما زار باريس (مناحم بيجن) في شهر أكتوبر، حيث صرَّح بعدها أن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل إذا تعاونوا معًا يمكنهم تحطيم عبد الناصر، وقد أعلنت إسرائيل في 26 -10- 1956م التعبئة العامة.
الاتفاق على العدوان الثلاثي على مصر:
جاءت خطة الحرب على النحو التالي: تبدأ إسرائيل هجومًا على الحدود المصرية -في انتهاك صريح للهدنة الدائمة مع مصر- بغرض استدراج الجيش المصري إلى عمق سيناء، ثم استيلاء إنجلترا وفرنسا على القناة ثم القاهرة، عن طريق إصدار كلٍّ مِن إنجلترا وفرنسا إنذارًا بوقف القتال بيْن القوات المصرية والإسرائيلية وانسحاب الطرفين -المصري والإسرائيلي- لمسافة 10 كم عن ضفتي قناة السويس، لسلامة المجرى الملاحي، وعند رفض مصر الإنذار تهاجم القوات الإنجليزية والفرنسية معًا منطقة القناة لتطويق الجيش المصري في سيناء وتدميره، واحتلال القناة والوصول إلى القاهرة، لقد وضعت إسرائيل في تصوراتها حال عدوانها على مصر أنها ستلقى الدعم المادي والمعنوي مِن إنجلترا وفرنسا؛ بالإضافة إلى استخدامهما حق الفيتو ضد كل ما مِن شأنه الضغط على إسرائيل في مجلس الأمن.
وقد تفطن عبد الناصر للمؤامرة عند تنفيذها، فعندما هاجمت القوات الإنجليزية والفرنسية منطقة القناة لتطويق الجيش المصري قامت القيادة المصرية بالانسحاب مِن سيناء وإخلائها حفاظًا على الجيش المصري مِن هزيمةٍ محققةٍ، فاحتلت إسرائيل سيناء، ولمنع استخدام القوات الإنجليزية والفرنسية مجرى القناة قامت القيادة المصرية بإغراق خمس سفن في القناة لتعطيل المجرى الملاحي خشية تكرار خطأ عرابي في حربه مع الإنجليز عام 1882م، حيث غدر به (ديليسبس) الفرنسي، ومكَّن الأسطول الإنجليزي مِن استخدام المجرى الملاحي في غزو مصر.
أحداث وتطورات الحرب:
- كان تأميم عبد الناصر لقناة السويس الشرارة التي أشعلت الأحداث، حيث افتعلت إنجلترا أزمة سياسية بإنكار حق مصر في تأميم القناة، مع أن شركة قناة السويس شركة مصرية تخضع لقوانين مصر بنص اتفاقية 22-2-1866م، والتأميم عمل قانوني مِن أعمال السيادة معترف به عالميًّا، بل توسعت بريطانيا وفرنسا في حق التأميم خاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فأممتا الكثير مِن الشركات والصناعات التي تقوم بإدارة مرافق عامة في إنجلترا وفرنسا.
- بدأ التصعيد بنقل النزاع إلى مجلس الأمن، في الوقت الذي بدأت فيه الاستعدادات العسكرية للعدوان على مصر.