شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (2)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فأَوَّل ما نَلحظه في حديث جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ، في إسناده؛ فإنه رواه مسلم مِن رواية جعفر بن محمد بن عَلِيّ عن أبيه عن جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ، وجعفر: هو جعفر الصادق، وهو الإمام السادس عند الشيعة الإمامية، وإليه ينسبون؛ فهم جعفرية نسبة إلى جعفر الصادق، وأبوه هو محمد الباقر بن عَلِيّ زين العابدين، وهو الإمام الخامس عندهم، وهو الذي روى الحديث عن جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

وهذا يبيِّن لنا منزلة أئمة أهل البيت عند أهل السُنَّة والحديث؛ فهم مِن أهل السُنَّة والجماعة العُدُول الثقات الأثبات الحُفَّاظ، حاشاهم أن يكون أحدٌ منهم مِن الروافض الكذابين الذين بنوا مذهبهم على الكذب على هؤلاء الأئمة خاصة جعفر الصادق، ومحمد الباقر.

والحديث كذلك يبيِّن لنا منزلة الصحابة عند هؤلاء الأئمة؛ فمحمد الباقر في شبابه يطلب العلم مِن الصحابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم-، ومنهم جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-.

وليس بيْن أهل البيت والصحابة عداوة أو اختلاف في اعتقادٍ أو منهجٍ؛ بل هم متحابون متآلفون، وتأمل كيف فعل جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مع محمد بن علي لما عَرَّفه بنفسه؛ فإنه -مِن دون رفقائه- حَلَّ زِرَّه الأعلى ثم زِرَّه الأسفل، ثم وضع يده على صدره تأنيسًا له وملاطفة وتقديرًا له؛ لكونه مِن أهل بيت النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، ورَحَّب به الترحيب الخاص، فهو ابن أخيه في الله، وأبوه زين العابدين، وجَدُّه الحسين وعَلِيّ بن أبي طالب كلهم إخوة في الله لجابر بن عبد الله -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ، وفتح له باب السؤال عما شاء، تأكيدًا على الاهتمام بطالب العلم السائل عنه خصوصًا إذا كان مِن أهل الفضل والنسب الشريف.

وهذا يؤكد سلامة الصدور والألسنة بيْن الصحابة وآل البيت -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم جميعًا-؛ فتبًا لأهل الحقد والغل والسب واللعن؛ فإن أعمالهم أليق بهم، ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) (النور:26) .

ثانيًا: في قول جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- : " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَاجٌّ ": دليل ظاهر على أن الحج واجب على التراخي؛ لأن فرض الحج كان إما في سنة سِتٍّ مِن الهجرة في الحديبية، وفيها نزل قول الله -عَزَّ وَجَلَّ- : ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) (البقرة:196) ، فالدلالة عنه واضحة جدًّا؛ إذ أَخَّر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الحج سنة سبعٍ وثمانٍ وتسعٍ، مع تَمَكُّنه مِن الحج بعد فتح مكة سنة ثمانٍ ولم يحج، وسنة تسعٍ ولم يحج، ولم يكن في وقت الحج في غزوات، وإما أن يكون الحج قد فُرض سنة تسعٍ على الوفود، عند قدوم وفد نصارى نجران، ونزول سورة آل عمران التي نزل صدرها في قدومهم، وفيها قول الله -عَزَّ وَجَلَّ- : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) (آل عمران:97) ، ومع ذلك لم يحج -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في السنة التاسعة، وإنما أمَّر أبا بكر على الحج، وأقام للناس حجهم.

وأما الاعتذار بأن الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يحج لوجود المشركين والعراة؛ فاعتذار غير صحيح؛ لأن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أقام للناس الحج بإمارة أبي بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ، ولو كان غير مشروع لما أرسل أبا بكر، ولو كان وجود منكرات في الحج مسقطًا لوجوبه لما وجب على الناس حج أبدًا؛ لوجود مَن يرتكب المنكرات فيه مع تفاوت درجاتها.

وأبعَد منه قول مَن قال: إن حجة أبي بكر وقعتْ في ذي القعدة؛ احتجاجًا بقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حجة الوداع: ( إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ) (متفق عليه) ؛ فهذا قول باطل يخالف صريح القرآن، قال -تعالى-: ( وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) (التوبة:3) ، وقد كان ذلك يوم النحر مِن سنة تسعٍ، إذ نودي فيها: ( أَلاَ لاَ يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ) (متفق عليه) ، ( وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

وكيف يتصور أحدٌ أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يُقِرُّ النسيء الذي ابتدعه المشركون زيادة في الكفر، ويبني عليه الأحكام مع تبديل الشهور عن حقيقتها؟! وإلا فقد صام رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رمضان تسع سنوات متتالية دون تغيير، وكذا اعتماد الأشهر الحُرُم قبْل حجة الوداع في تحريم القتال، وغيرها مِن الأحكام، وإنما دَلَّ الحديث على أن الأشهر التي خلقها الله -سبحانه- يوم خلق السماوات والأرض هي التي كان عليها عمل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وذلك مِن فجر الإسلام لم يتغير، ولا يلزم مِن الحديث أن الأعوام السابقة على حجة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "حجة الوداع" كانت على غير ذلك مِن نسيء؛ بل فعله أهل الجاهلية قبْل الإسلام فأبطله الله بالإسلام مِن أول ما عمل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على الشهور القمرية منذ بعثته.

الصفحة التالية