تأملات في حجة الوداع (2)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
فالخلاصة: أن تأخير رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للحج سنة تسعٍ دليل واضح على أن الحج فُرض على التراخي، وإن كان الاستحباب المؤكد: "التعجيل"؛ فإن الإنسان قد يمرض، أو يفقد راحلته -وسيلة المواصلات-، أو أن يُقطع الطريق، أو غير ذلك مِن أعذار، وتأكيد الاستحباب هو الذي تُحمل عليه الأدلة الدالة على تعجيل الحج.
وهذا يدل على أن مَن نوى أن يحج قبْل موته لم يأثم، فضلًا عن أن يُكَفَّر، كما يلزم مَن يقولون بتكفير تارك المباني الأربعة للترك المجرد كالتكاسل؛ فإن رجعوا إلى القول بالتكفير بالعزم على أن لا يحج حتى يموت كما ذكره ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ- لم يكن هذا تكفيرًا بالترك المجرد؛ بل بالعزم على عدم الحج، ولا دليل عندهم على ذلك إلا مَن كان آبيًا أو مستكبرًا أو مستحِلًا لترك الحج، أي: جاحدًا لوجوبه؛ ولا نزاع في كفر هذا، ومَن يُكَفِّر بالترك المجرد إنما يحتج بأن الحج مِن أركان الإسلام؛ فمَن لم يأتِ به كان كتارك الشهادتين، ومَن عزم أن يحج فمات قبْل أن يحج تاركًا له؛ فيلزمهم تكفيره؛ وهم لا يملكون رد ذلك.
وقد قالت طائفة كبيرة مِن أهل العلم، منهم: الشافعي -رَحِمَهُ اللهُ- ومَن وافقه، بأن الحج واجب على التراخي؛ فمن عزم أن يحج قبْل أن يموت فهو غير آثم.
وقوله -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: " ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَاجٌّ؛ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ ": دليل على القاعدة العامة الشاملة التي تشكِّل حياة المسلم باتباع رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في كل أقواله وأفعاله؛ فنصلي كما رأيناه يصلي، ونحج كما حج، ونأخذ عنه مناسكنا، ونفعل كما فعل؛ فإن الاتباع لرسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو مِن أعظم أسباب حب الله -تعالى- للعبد، ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) (آل عمران:31، 32) ، وهذا الاتباع هو تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
فلابد أن يطلب المسلم علم سُنَّة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، ولا يكتفي برفع الشعار، أو الاكتفاء بالهيئة الظاهرة -كاللحية والقميص مثلًا- ليكون سُنِّيًّا كما هو مصطلحٌ عند الناس، بل لابد أن يتعلم السُنَّة ويطلب فهمها؛ ليعمل بها ويدعو إليها في كل شئون الحياة؛ في العقيدة، والعبادة، والمعاملات، والسلوك والخُلُق، والشأن العام، والشأن الخاص، شأن المجتمع والدولة؛ ولا عِزَّ لأمة الإسلام إلا باتباع السُنَّة علمًا وعملًا وسلوكًا.
وقد رصد المؤرخون: أن انتشار علوم السُنَّة مرتبط بانتصارات المسلمين، كما حدث في زمن "صلاح الدين" قبْل تحرير "بيت المقدس" مِن عودة المسلمين إلى قراءة وسماع أحاديث "البخاري" و"مسلم" في مساجدهم في مصر والشام، بأمر السلطان "صلاح الدين" بعد انقطاع نحو ثلاثة قرون في مصر؛ بسبب أهل الزندقة مِن الباطنية العبيديين المعروفين بالفاطميين، سقطت خلالها القدس في أيدي الصليبين، وعندما عاد الناس إلى السُّنة عادت القُدْس -بحمد الله تبارك وتعالى-، والعكس بالعكس؛ فإذا غلبت علوم أهل البدع، وغابت علوم السُنَّة وغاب العمل بها: انهزم المسلمون وغلبهم أعداؤهم على بلادهم ومقدساتهم.
فاللهم يَسِّر للمسلمين العودة إلى سُنَّة نبيك -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ورُدَّ عليهم القُدْس والمسجد الأقصى، وسائر بلادهم المحتلة.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.