العدوان الإسرائيلي على الدول العربية عام (1967م)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
(الذكرى الخمسون لهزيمة يونيو)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فرغم انسحاب إسرائيل مِن سيناء بعد العدوان الثلاثي على مصر، فقد كانت إسرائيل تعد العدة لحربٍ قادمةٍ مع العرب، فإسرائيل كدولةٍ مزروعةٍ غصبًا في قلب المنطقة العربية تتطلع دائمًا -خاصة في ظل الضعف والتفكك العربي- إلى توسيع حدودها، وتحقيق مكاسب تحقق لها حدودًا آمنة، وتأمينًا للملاحة في خليج العقبة وقناة السويس والبحر الأحمر، وإجبار العرب على تقبلها كعضوٍ جديدٍ في المنطقة.
لقد بدأت إسرائيل تعد العدة لحرب 1967م قبْلها بسنواتٍ، ولكن تحديد وقت المعركة جاء بعد إتمام الاستعداد، وتهيئة الرأي العام العالمي والرأي العام داخل إسرائيل للحرب، ونتائجها بعد تجربة حرب 1956م.
الأوضاع إقليميًّا ودوليًّا قبْل حرب 1967م:
شهد العالم ظهور القوتين الكبيرتين: أمريكا والاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، وظهور الصراع بينهما على السيطرة على العالم غربه وشرقه، ودخولهما في حربٍ باردةٍ، كما شهد أفول نجم إنجلترا وفرنسا خاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر، وقد دخلت المنطقة العربية دائرة الصراع بيْن القوتين الكبيرتين نتيجة التقارب العربي "خاصة المصري - الروسي" مِن جهة، وازدياد درجة تلاقي المصالح الأمريكية مع المصالح الإسرائيلية مِن جهة أخرى؛ إذ أصبحت إسرائيل بعدائها للعرب تعمل في مصلحة أمريكا في مواجهة النفوذ الروسي في المنطقة.
التوافق الأمريكي الإسرائيلي على محاربة مصر:
تعد إسرائيل صنيعة الغرب في المنطقة العربية لاستنزاف قدرات الدول العربية وإثارة القلاقل التي تعرقل التقدم فيها والتنمية، وقد شاركت أمريكا الدول الأوروبية في مساعدة إسرائيل خاصة في فترة الأربعينيات، مِن مؤتمر (بلتيمور) 1943م وتأييد قيام دولة إسرائيل إلى المسارعة في الاعتراف بها عند إعلان قيامها، ثم المشاركة في الإعلان الثلاثي عام 1950م الذي تتعهد فيه الدول الثلاث -أمريكا وإنجلترا وفرنسا- بفرض حماية لحدود إسرائيل التي وصلت إليها عبْر الهدنة في رودس 1949م بعد حرب فلسطين عام 1948م، رغم أن هذه الحدود تتعدى بكثير حدود قرار التقسيم الصادر مِن الأمم المتحدة في نوفمبر 1947م.
ورغم هزيمة إنجلترا وفرنسا وإسرائيل سياسيًّا في حرب 1956م، فقد ضمنت الدول الغربية وأمريكا لإسرائيل حرية الملاحة في خليج العقبة عن طريق وجود قوات طوارئ دولية في شرم الشيخ بعد حرب 1956م، وهي القوات التي مارست مصر حقها في إعادة توزيعها مع تصاعد الأحداث قبيل حرب يونيو1967م مما عجل بنشوب الحرب، ونظرًا لتنامي قدرات مصر العسكرية وتسلحها مِن الكتلة الشرقية، وتزعم مصر للعرب، وسعيها لتحقيق وحدة عربية "خاصة في أواخر الخمسينيات"، فكانت ثورة العراق في 14-7-1958م، وخروج العراق مِن حلف بغداد، ووقوع الانقلاب العسكري في اليمن، وتدخل مصر عسكريًّا هناك، وقيام الثورة في اليمن الجنوبي ضد الاستعمار البريطاني، وتحرر الجزائر واستقلالها عن فرنسا، وتجربة الوحدة بيْن مصر وسوريا، وظهور (منظمة فتح) الفلسطينية، وبداية عملياتها العسكرية الموجهة ضد إسرائيل، حيث ساهمت هذه الأحداث ودور مصر فيها في تنامي توافق أمريكي إسرائيلي على القضاء على قوة مصر العسكرية.
ولم تكن إسرائيل لتجرؤ على توجيه ضربة ضد مصر والعرب إلا بعد الاطمئنان إلى وجود الدعم العسكري والسياسي مِن أمريكا، وإلى تواطؤ الغرب معها؛ خاصة في عهد الرئيس الأمريكي (لندن جونسون)، الذي كان متفقًا في توجهه مع المراكز الصهيونية في أمريكا؛ فإسرائيل كدولةٍ تقوم -وبدرجةٍ كبيرةٍ- على ما تحصل عليه مِن المساعدات الخارجية العسكرية والاقتصادية، خاصة في ظل ما كانت تعانيه مِن تدهورٍ اقتصاديٍ في منتصف الستينيات، وتقوم أيضًا على التأييد السياسي والدبلوماسي مِن أصدقائها الغربيين "خاصة أمريكا".
لقد رأت إسرائيل ما عليه حال الدول العربية مِن التفكك والضعف، وتيقنت مِن التأييد الغربي لها، وتأكدت مِن أن واشنطن ستقف بجانبها وستحميها مهما حدث، فقررت أن هذا هو الوقت المناسب للحرب، وقد نجحت إسرائيل في إقناع أمريكا بتزويدها بالسلاح الأمريكي المتطور، فتسلمت إسرائيل في بداية عام 1966م دبابات أمريكية، وعقدت صفقة لطائرات (سكاي هوك) في نفس العام.
وقد حرص الإعلام الإسرائيلي على تهيئة الرأي العام العالمي لصالحه بإظهار إسرائيل أمام الغرب بالدولة المحبة للعيش مع جيرانها العرب في سلام، ولكنها معرضة للخطر العربي الذي يهددها مِن كل جانب بالإفناء والاستئصال، وأنها لا تريد إلا الدفاع عن نفسها ووجودها، مستغلة في ذلك التصريحات النارية التي كان يطلقها الحكام والزعماء العرب "خاصة عبد الناصر" التي تتوعد إسرائيل بإلقائها في البحر!
حال العرب قبْل الحرب:
لم يتعلم الحكام العرب مِن حربي: 1948 و1956م مع إسرائيل، ولم يأخذوا الخطر الذي تشكله إسرائيل عليهم مأخذ الجد، وانشغلت هذه الدول بقضاياها الداخلية أكثر مِن اهتمامها بمواجهة إسرائيل، وعانت مِن التفكك والتمزق، بل والاختلاف فيما بينها، والذي وصل إلى حد الحرب الباردة بيْن بعض الأنظمة الحاكمة فيها، والتي أصابت العمل العربي بالضرر البالغ، وانعكس ذلك على العسكريين والسياسيين العرب، ففقدت الجيوش العربية التعاون والتنسيق الفعلي المطلوب فيما بينها، وشهدت اختلافًا في الإستراتيجية العسكرية بدرجةٍ لم تعد معه قادرة على حشد قدراتها، أو تكوين قوية قيادة موحدة، بل لم يكن هناك صفاء نية حول الهدف المشترك.
ولا نكون بعيدين عن الحقيقة إذا قلنا: إنه لم تكن هناك دولة عربية واحدة على استعدادٍ جادٍ وحقيقي لمهاجمة إسرائيل أو التصدي لها؛ رغم كل المناوشات والاشتباكات التي كانت تقع على الحدود مع إسرائيل، ورغم كل ما كانت تقدم عليه إسرائيل مِن انتهاكات على الحدود مع الدول العربية، ورغم تصاعد عمليات المقاومة الفلسطينية انطلاقًا مِن الأراضي السوري والأردنية.
واكتفى الحكام العرب بالتصريحات التي تهدد بتدمير إسرائيل وإلقائها في البحر، والتي تعطي الفرصة للإعلام الإسرائيلي لإظهار إسرائيل كدولةٍ مهددةٍ مِن جيرانها العرب!
بوادر وقوع الحرب: