شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حرب الاستنزاف (حرب الألف يوم!)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فحرب الاستنزاف هي حرب (الألف يوم) التي تلت هزيمة يونيو 1967م، وقد عملت مصر في الفترة مِن 1967م إلى عام 1973م في اتجاهين متكاملين:

الأول: تكثيف الجهود الدبلوماسية على الصعيد الدولي والعربي بهدف:

1- إيجاد الرأي العام الدولي المؤيد أو المتعاطف مع حق العرب في تحرير أراضيهم المغتصبة.

2- التأكيد على إيجاد حل عادل للمشكلة الفلسطينية، والمحافظة على الحقوق المشروعة لشعب فلسطين، وحقه في تقرير مصيره.

3- تنقية الأجواء العربية مِن عدم الثقة، وتصفية الخلافات وتوحيد الصف.

الثاني: إعداد الدولة للحرب من خلال:

1- دعم القوات المسلحة بكل ما تحتاجه مِن أسلحة حديثة وقوى بشرية وأموال لإعادة الثقة في الجيش المصري، والتصدي لأي محاولات إسرائيلية للعربدة في المنطقة.

2- إصلاح الجبهة الداخلية بالقضاء على مراكز القوى، وإقرار دستور دائم للبلاد في عام 1971م.

3- التنسيق المشترك عسكريًّا مع سوريا.

مصر مِن الصمود إلى التحدي:

بعد انتهاء حرب يونيو وبعد اعتقال المشير عبد الحكيم عامر ثم انتحاره -طبقًا لما أذيع رسميًّا وقتها- تقلد الفريق (محمد فوزي) القيادة، لتبدأ فترة حرب الاستنزاف، والتي مرت بثلاث مراحل:

1- مرحلة الصمود: والتي تم فيها إعادة بناء الجيش المصري، ووضع هيكله الدفاعي، وتوفيق الأوضاع الدفاعية عن الضفة الغربية لقناة السويس، واستمرت هذه المرحلة مِن يونيو 1967م إلى أغسطس 1968م، وشهدت هذه المرحلة العديد مِن المعارك التي أثبت فيها المقاتل المصري قوته وكفاءته، بعد أن شكك الكثيرون فيها بعد الهزيمة المريرة في يونيو 1967م. ومنها: معركة (رأس العش) في أول يوليو 1967م، وإغراق المدمرة الإسرائيلية (إيلات) في 21 أكتوبر 1967م.

2- مرحلة المواجهة (أو الدفاع النشط): والتي تم فيها تنشيط الجبهة بالاشتباكات المدفعية مع القوات الإسرائيلية في الخطوط الأمامية على الضفة الشرقية للقناة؛ لتقييد تحركات القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية، واستمرت هذه المرحلة مِن سبتمبر 1968م إلى فبراير 1969م.

3- مرحلة التحدي (مرحلة الاستنزاف): والتي تكرر فيها كثيرًا عبور أفراد أو مجموعات مِن القوات المصرية للقناة وإغارتهم على القوات الإسرائيلية في عمق سيناء؛ لتكبيد إسرائيل خسائر في الأفراد والمعدات تدرك معها إسرائيل أن احتلالها لسيناء وبقائها فيها سيكلفها خسائر وتضحيات لابد وأن تدفعها وتتحملها، إلى جانب رفع الروح المعنوية للجيش المصري وإعداده معنويًّا لمعركة التحرير.

وقد تصاعد عبور القوات المصرية والإغارة على أهداف إسرائيلية محددة داخل سيناء المحتلة وتطورت، وتدرجت هذه العمليات حتى بلغت عبور كتيبة إلى الضفة الشرقية في أحدى هذه العمليات، وقد استمرت هذه المرحلة مِن مارس 1969م إلى أغسطس 1970م.

تنبيه: (يقصر البعض حرب الاستنزاف على المرحلتين الثانية والثالثة فقط).

وقد جاء توقف حرب الاستنزاف بعد موافقة جمال عبد الناصر على (مبادرة روجرز) الأمريكية للسلام وتهدئة الأوضاع على جبهات القتال، وهي الفترة التي أتمت فيها القوات المسلحة المصرية بناء حائط صواريخ الدفاع الجوي لتمنع الطائرات الإسرائيلية مِن مهاجمة الضفة الغربية للقناة أو القيام بضرب عمق الأراضي المصرية، ومع تساقط الطائرات الإسرائيلية تباعًا توقفت بالفعل هجماتها على منطقة القناة بعدها.

ويؤكد الخبراء العسكريون على أن حرب الاستنزاف هي التي مهدت الطريق لنصر أكتوبر بما شهدته مِن عمل متواصل وجهد مثمر في إعادة بناء القوات المسلحة على أسسٍ علميةٍ، وبناء حائط الصواريخ، وقد شهدت هذه الفترة العديد مِن المعارك والاشتباكات الشهيرة، ومنها:

معركة (رأس العش):

في 10 يونيو 1967م -أي بعد الهزيمة مباشرة- تم تكليف قوة مِن الصاعقة بإيقاف أي تقدم للعدو قي اتجاه "بور فؤاد"، ومنع وصول القوات الإسرائيلية إليها أو احتلالها، وذلك بالتصدي لهم بالقوة في منطقة رأس العش، على بعد 16 كم جنوب بور فؤاد؛ إذ إن الاستيلاء على "بور فؤاد" يعني استيلاء إسرائيل الكامل على كل الشاطئ الشرقي للقناة بعد أن وصلت القوات الإسرائيلية إلى شرق مدينة السويس في جنوب القناة؛ مما يمكنها بعد ذلك مِن عبور القناة والاستيلاء على مدينة "بورسعيد"، وبالفعل تحركت القوات الإسرائيلية في اتجاه بور فؤاد، ووصلت إلى رأس العش في آخر ساعات نهار يوم 30 يونيو، فوجدت قوة مصرية اتخذت مواقعها الدفاعية في انتظارهم.

كانت القوة المصرية مكونة مِن ملازم حديث التخرج مِن الكلية الحربية، يعاونه ملازم آخر يقود مجموعتي مدفعين مضادين للدبابات؛ كل مجموعة مكونة مِن 10 جنود، ومعهما رقيب يقود 20 مقاتلًا مِن رجال الصاعقة مسلحين برشاشاتٍ شخصيةٍ خفيفةٍ، وعددٍ مِن صواريخ (آر. بي . جي)، تسلموها قبْل المعركة بيومين فقط، ولم يجربوها إلا مرة واحدة! وهي الصواريخ المضادة للدبابات التي كانت أهم مفاجآت المعارك في سيناء بعد ذلك خاصة في حرب أكتوبر 1973م.

اتخذت القوات الإسرائيلية تشكيل قتال على بعد 100 متر في مواجهة الموقع المصري، وبعد فترةٍ مِن الصمت جاءت مروحية إسرائيلية لاستطلاع الموقع المصري، أعقبها قدوم طائرتي ميراج إسرائيليتين مِن الشرق تجاه الموقع في علو منخفض وبسرعة عالية ثم عادا تجاه الشرق، فلم يأبه رجال القوة المصرية بذلك، وتمسكوا بموقعهم، رافضين الهرب أو الاستسلام، رغم نداءات الإسرائيليين لهم باللغة العربية عبْر ميكروفون بالاستسلام، وقبْل غروب الشمس ودخول الليل تعجل الإسرائيليون الهجوم، و بدأت الاشتباكات، ومع اقتراب أول دبابة إسرائيلية لمرمى النيران المؤثر تم تدميرها بصاروخ (آر. بي . جي)، وتعالى تكبير رجال الصاعقة فرحًا، ليحتدم القتال بيْن الطرفين حتى حلول الظلام في ليلة في الصحراء بلا قمر.

الصفحة التالية