شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حرب الاستنزاف (حرب الألف يوم!)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وبدأ هروب الجنود الإسرائيليين جنوبًا في اتجاه مدينة القنطرة، فتقدم بعض رجال القوة المصرية وألقوا بقنابل يدوية على المدرعات الإسرائيلية، وقد قامت المدفعية الساحلية في بورسعيد بمعاونة القوة المصرية بضرب القوات الإسرائيلية في المنطقة، وساندت القوة أيضًا بمدافعها مدمرة مصرية كانت متمركزة في ميناء بورسعيد.

ولجأ الإسرائيليون ليلًا إلى استخدام القنابل الفسفورية لإضاءة موقع القوة المصرية وكشفه، فقامت القوة بردم وتقليب كل ما أصابه الفسفور في الرمال بما فيها ملابسهم المصابة بالفسفور، وفشلت المحاولة الإسرائيلية.

وبعد ست ساعات مِن القتال المتصل -في حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل- توقفت النيران الإسرائيلية، فكانت هذه المعركة بحق -كما وصفها موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي وقتها في مؤتمر صحفي بعدها- هي بداية الحرب الفعلية.

وقد استشهد مِن المصريين في هذه المعركة الخالدة 12 شهيدًا، في مقدمتهم: قائد مجموعتي المدفعين المضادين للدبابات ملازم أول -بعد ترقيته بعد الاستشهاد- محمد الجزار، واعترفت إسرائيل بمقتل خمسة مِن جنودها وجرح 30 آخرين، وبقت أمام الموقع ثلاث دبابات وثلاث عربات نصف مجنزرة محترقة، وقد تلقى قائد المجموعة المصرية رسالة عبْر اللاسلكي مِن قائد كتيبته وهو ما زال في قلب الموقع عقب انتهاء المعركة بأن الرئيس جمال عبد الناصر أمر بترقية كل المقاتلين الذين شاركوا في معركة رأس العش تقديرًا لصمودهم طوال وقت المعركة.

إغراق المدمرة الإسرائيلية (إيلات):

المدمرة (إيلات) إحدى مدمرتين بريطانيتين تم إنشاؤهما عام 1944م في نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد قامت بريطانيا ببيعهما لإسرائيل بعد عام 1948م، فأطلق على المدمرة الأولى اسم (إيلات)، وهو اسم ميناء إسرائيل على خليج العقبة، وأطلق على المدمرة الثانية اسم (يافو).

حمولة المدمرة (إيلات) حوالي 2500 طن، طولها 362 قدمًا، وعرضها 35 قدمًا، عليها 50 مدفعًا بأعيرة مختلفة، منها أنابيب طوربيد، ومدافع قذائف أعماق. سرعتها 31 عقدة، وعليها 9 قوارب نجاة. يتكون طاقمها مِن 250 ضابطًا وبحارًا. وقد كانت المدمرة تحمل عند غرقها بالإضافة إلى طاقمها طلبة السنة النهائية للكلية البحرية الإسرائيلية، والذين كانوا في رحلة تدريب بحري كانت الأولى لهم والأخيرة.

قامت المدمرة إيلات ومعها أربعة لنشات حراسة في مساء ليلة 20- 21 أكتوبر بعمل مسارات دائرية على بعد 15 ميلًا بحريًّا شمال شرق مدينة (بورسعيد)، وكانت تتوغل خلال هذه المسارات لمسافة 11 ميلًا بحريًّا مِن بورسعيد بما يعني دخولها المياه الإقليمية لمصر؛ إذ أن مسافة المياه الإقليمية لأي دولة 12 ميلًا بحريًّا، ثم تعود للمياه الدولية مِن جديد في حركات استفزازية؛ إذ تعلم أن رادارات القاعدة البحرية في بورسعيد ورادارات السواحل ترصدها، وربما كانت تجس النبض تمهيدًا للقيام بعملٍ ما ضد بورسعيد، وعلى الفور تم استنفار القوات المصرية ورفع درجة استعدادها العسكري.

وقد أطالت القيادة العسكرية المصرية صبرها على استفزازات المدمرة إيلات خشية الدخول في اشتباكات بحرية كبيرة؛ إذ كانت هناك أنباء عن نقل معدات عسكرية إسرائيلية في أقصى شمال غرب سيناء (في شرق بور فؤاد)، ومصر كانت ما زالت تعيد ترتيب أوضاعها على الجبهة في القناة بعد هزيمة يونيو، ثم جاءت الأوامر في السادسة مِن صباح 21 أكتوبر برفع درجة الاستعداد لسرب الصواريخ المتمركز في قاعدة بورسعيد البحرية، والمكون مِن اللنشين: اللنش رقم (504) -وهو اللنش القائد- واللنش رقم (501).

ومع توالي البلاغات التي تحدد الهدف البحري على مسافة 11 ميلًا بحريًّا فقط مِن فنار بورسعيد، أي داخل المياه الإقليمية المصرية جاء الأمر النهائي إلى قاعدة بورسعيد البحرية مِن القيادات العليا في الساعة الواحدة إلا خمس دقائق ظهرًا بالتعامل بلنشي الصواريخ مع الهدف المعادي في حالة دخوله المياه الإقليمية، على أن يكون الاشتباك معه باللنش الأول فقط، ويكون اللنش الثاني جاهزًا عند الطلب، مع إعطاء التعليمات للمدفعية الساحلية بالاستعداد للاشتباك.

وجاء استخدام لنش الصواريخ مفاجأة غير متوقعة لم تعرف مِن قبل في مثل هذه الاشتباكات؛ فزورق الصواريخ المصري (اللنش) من نوع روسي يسمى (كومار) أنتج عام 1958م، وبيع لمصر عام 1962م، طوله 25 مترًا، ووزنه 80 طنًّا، مصنوع مِن الخشب، وله درع واق عبارة عن غرفة مِن الصلب يحتمي به طاقم الزورق، وعلى الزورق صاروخان، طول كل منهما 20 قدمًا، ووزنه طنان، منهما 500 كجم عبوة متفجرة، ومداه المؤثر 25 ميلًا بحريًّا، وسرعته 312م / الثانية، أي يقطع مسافة 11 ميلًا بحريًّا في دقيقة واحدة تقريبًا، وارتفاع طيرانه فوق سطح الماء من 100- 300 م، ويطلق مِن سطح اللنش ليصيب أي هدف على سطح الماء، فهو صاروخ (سطح - سطح).

وكان على كل لنش مِن اللنشين مجموعة مِن الرعيل الأول مِن ضباط لنشات الصواريخ مِن ضباط البحرية المصرية مع عددٍ مِن ضباط الصف والجنود كبحارة ومسئولي رادار وتجهيز الصاروخ، وتخصصات أخرى، وكان قائد كل لنش منهما قد درسا في (لينينجراد) بروسيا لمدة عام (1964- 1965م) فرقة قادة تكتيك، وتم اختيارهما لقيادة اللنشين بعد العودة، وبينما كانت الإشارات اللاسلكية المفتوحة القابلة للالتقاط مِن العدو تأتي مِن قيادة القوات البحرية في الإسكندرية إلى قيادة القاعدة البحرية في بورسعيد بعدم الاشتباك مع الهدف البحري مع استمرار المراقبة والاستعداد، كانت التعليمات واضحة عبْر تحويلة تليفونية سرية خاصة بالتعامل الفوري مع الهدف إذا دخل المياه الإقليمية وإغراقه بعد التأكد مِن جنسيته، بعد مجيء إشارة في الساعة الرابعة وخمسين دقيقة عصرًا بوجود هدف العدو في المياه الإقليمية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية