شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (3)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: " فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ؛ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي ".

"ذو الحليفة": ميقات أهل المدينة، وادٍ داخل حرم المدينة، له جاذبية خاصة بقلوب المؤمنين عبْر العصور، وفيه سكينة مُضاعَفة؛ كيف لا وقد شهد البدء المبارك لحجة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ونحو مِائَة ألفٍ، بل أكثر مِن أصحابه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وزاد العدد حين كان في مكة إلى نحو مائة وأربعين ألفًا؛ جاءوا مِن الأقطار المختلفة، أدركوا النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الطريق، أكبر تجمع بشري شهدته الجزيرة العربية منذ فجر التاريخ إلى هذا اليوم.

فكيف نستغرب السكينة العجيبة والجاذبية الخاصة له؟!

إذ إن أعمال الناس تؤثر على المكان، كما أن المكان المبارك يؤثر في قلوبهم حبًّا لله وشوقًا إليه وإلى عبادته، ثم قبْل ذلك البركة الذي جعلها الله فيه؛ فهو الوادي المبارك، الذي أرسل الله -عَزَّ وَجَلَّ- جبريل -عليه السلام- للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليلة إحرامه، وهي ليلة الأحد السادس والعشرين مِن ذي القعدة؛ إذ قد خرج النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن المدينة بعد أن صلى الظهر أربعًا في مسجده مِن يوم السبت لخَمسٍ بقين مِن ذي القعدة، وصلى بذي الحليفة ركعتين.

ومِن أسماء هذا الوادي: وادي العقيق، والوادي المبارك، وهو المشهور عندنا نحن المصريين بـ"أبيار علي"؛ نسبة إلى سلطان إفريقي يقال له: "علي"، حَفَر بها أبيارًا للحجيج، وليس بعلي بن أبي طالب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- .

صَلَّى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بها -بذي الحليفة- العصر ركعتين، والمغرب، والعشاء ركعتين، والصبح، والظهر مِن يوم الأحد، وأحرم بعد الظهر، وفي تلك الليلة أتاه آتٍ مِن ربه فقال: ( صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ ) (رواه البخاري) ، وهو دليل صريح أن إحرام النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان قِرانًا منذ بداية حجه.

وبيات النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في ذي الحليفة وبقاؤه هذه المدة للصلاة في هذا المكان المبارك، ولعل ذلك أيضًا لكي يلحقه مَن أتى المدينة يريد أن يحج معه مِن المسلمين؛ فلا يفوتَنَّك أخي الحاج والمعتمر أن تصلي في هذا الوادي المبارك.

ومِن السنن المهجورة: الصلاة بالمسجد في ذي الحليفة قبْل دخول المدينة المنورة للقادم مِن مكة أو غيرها؛ روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان إذا خرج مِن مكة المكرمة يصلي في مسجد الشجرة، وهو مسجد ذي الحليفة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتى يصبح، وسمي مسجد الشجرة؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان ينزل تحتها عنده.

وحديث أنس في الصحيح: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ" (متفق عليه) ، أوضح دليل على عدم جواز القصر ولا الجمع، ولا الترخص برُخَص السفر -كالفطر في رمضان- لمَن كان على أهبة السفر وهو لم يغادر الحضر؛ خلافًا للمذهب الشاذ الذي انتشر عند بعض المتأخرين خلافًا للسُنَّة الصحيحة الصريحة، ولعامة أهل العلم، قال ابن عبد البر -في الفطر في الحضر لمَن هو على أهبة السفر-: "الفطر في الحضر ليس له حظ مِن نظر ولا أثر!" (انتهى) . وكذلك الجمع والقصر.

وقد اشتبه عليهم حديث أنس -رضي الله عنه-؛ فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا، وَقَدْ رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟ قَالَ: "سُنَّةٌ" ثُمَّ رَكِبَ -أي مسافرًا-. (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وليس في الحديث أن ذلك كان في الحضر، بل أهبة السفر كانت ولم تزل تكون خارج البلد، ومَن خرج مِن البلد وغادر بيوتها كان له الفطر والقصر والجمع -ولو كان يرى البيوت-؛ لأنه شرع في السفر، والمطار يكون غالبًا خارج البلد، وكذا الميناء، أما داخل البلد فلا يجوز القصر ولا الجمع، ولا الفطر حتى يضرب في الأرض كما هو ظاهر الكتاب والسُّنة.

وفي خروج أسماء بنت عميس -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- وهي إذ ذاك زوجة أبي بكر الصديق -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وهي حاملٌ مُتِمٌّ على وشك الولادة -إذ إنها وضعت محمد بن أبي بكر في ذي الحليفة- دليلٌ على الهِمَّة العالية للصحابة والصحابيات -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- في الحرص على ملازمة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما أمكنهم، مع صعوبة الطرق، وطول المسافة، وكثرة الزحام، وصعوبة الركوب على الدواب بالنسبة إلى وسائلنا المعاصرة، وعدم تمهُّد المناسك وقتها كما تمهَّدت في زماننا.

ومع كل هذا خرجت ولم تعبأ بعدم وجود تجهيزات الولادة في الطريق، ولم يكونوا يعبأون بأمر الطعام والشراب والمبيت، بل ينزلون كل ليلة في الصحراء وينامون فيها؛ فلينظر النساء في زماننا -بل والرجال- إلى هِمَّة أسماء بنت عُمَيس العالية، وتوكلها على الله، وتوكل زوجها الصديق -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إذ اصطحبها وهي حاملٌ مُتِمٌّ، ولم يقل لها: "استريحي هذا العام فأنت معذورة!"؛ لعل هِمَمَنا أن ترتفع لتلحق بساقة هممهم ومؤخرها -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- .

الصفحة التالية