تأملات في حجة الوداع (3)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
ثم لننظر لأسماء بنت عميس -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-؛ كانت زوجة جعفر بن أبي طالب، فلما استشهد في مؤتة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تزوجها أبو بكر الصديق -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فلما مات عنها بعد خلافته تزوجها علي بن أبي طالب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ هذا يدلنا على سعة الأمر ويسره عندهم، أن تتزوج المرأة بعد زوجها، وكانت مُحِبَّةً له؛ ولم يتهمها أحد بخيانته وعدم الوفاء له وعدم الحب له، بل أزواجها كلهم مِن أهل الجنة.
وهذا أيضًا يبيِّن لنا أمرًا هامًا مِن أمور التكافل في المجتمع المسلم؛ فأهل مَن يُقتل أو يموت لا يُترَكون ولا يُضيَّعون، بل بسرعة يوجد مَن يكفلهم ويكفيهم أمرَهم، وأحسن ذلك بالزواج والتعدد؛ وهذه مِن أعظم فوائد التعدد وحِكَمه، وأما مجتمعاتنا فترى سرعة زواج المرأة نقيصة فظيعة، كما ترى النساءُ التعددَ عمومًا كأنه نهاية العالم بالنسبة للمرأة، وكأنه أمر غير مطاق! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي الحديث: أن النفساء -ومثلها الحائض- يصح إحرامها، ويستحب أن تغتسل عند الإحرام كسائر المحرمين، وإن كان لا يرفع الغسل حدثها؛ فبالأولى غير الحائض والنفساء؛ فالسًّنة للجميع أن يغتسلوا قبْل الإحرام مع الترجُّل والادِّهان.
وقد تجرد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- واغتسل، وكان قد خرج مِن المدينة بعد ما ترَجَّل وادَّهَن ولبس إزاره ورداءه؛ وهذا أفضل مِن لبسهما في ذي الحليفة، بل مِن مكان نزوله بالمدينة، لكن لا يُحرم إلا في ذي الحليفة مِن حيث أحرم النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- .
وفيه: أن الحائض والنفساء تفعل كل ما يفعل الحاج، وكذا في العمرة، غير أنها لا تطوف البيت حتى تطهر، ولو انتظرت ما انتظرت، ويلزم زوجها ووَلِيّها ومَحْرَمها الانتظار حتى تطهر؛ فلا يجوز أن يتركها أو يلزمها بالطواف وهي حائض أو نفساء ترخصًا بفتوى ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ- المُخالِفة لنص الحديث الصحيح: ( غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي ) (متفق عليه) ؛ فكيف نترك النص الصريح لاجتهادٍ مخالفٍ له؟! مع أنه كان يُجَوِّز ذلك -رَحِمَهُ اللهُ- فقط لمَن تضيع في الطريق، وليس حال بلاد المسلمين اليوم كذلك؛ بل لو تركوها لتمَكَّنَت مِن العودة آمنة سالمة ولا خوف عليها مع حصول الأمن -والحمد لله-.
ثم هو أيضًا رخَّص -رَحِمَهُ اللهُ- في ذلك لمَن تعجز عن العودة؛ أما إذا كانت يمكنها العودة -ولو بعد حين- فهو لا يُرَخِّص لها؛ وقد تَوَسَّع الناس في ذلك توسعًا غير محمود، ومخالِفًا لأصل فتوى ابن تيمية تساهلًا في مخالفة السُّنة؛ بل المَحرم والزوج تحبسه زوجته الحائض والنفساء، كما في الصحيحين أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما سمع أن صفية بنت حيي -رضي الله عنها- قد حاضت قال: ( عَقْرَى حَلْقَى مَا أُرَاهَا، إِلَّا حَابِسَتَنَا ) (رواه البخاري ومسلم، وابن ماجه واللفظ له) ، ظنًّا أنها لم تكن طافت طواف الإفاضة يوم النحر؛ فعزم على أن يُحبس هو ومَن معه ممَن كان مُلَازِمًا له حتى تطهر صفية ثم تطوف بالبيت، فقيل له: "إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ -يوم النحر- وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ"، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( فَلْتَنْفِرْ ) (متفق عليه) ؛ لأن طواف الوداع يسقط عن الحائض؛ فوطنوا أنفسكم على اتباع السُّنة يُيسر لكم أمركم.
قال جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ؛ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ؛ وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ".
وهذا أكبر تجمع للصحابة في التاريخ، وكل مَن لقي النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مؤمنًا مِن هؤلاء فهو صحابي، ولو كان مولودًا أثناء الرحلة المباركة، كمحمد بن أبي بكر.
ولنتذكر يوم خروج رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن مكة مع صاحِبِه مهاجرًا يطاردهما المشركون، قال -تعالى-: ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:40) .
تذكر كيف كان عدد المسلمين المستجيبين لرسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثم بَارَك الله في هذه الدعوة بعد أن كانوا عشراتٍ فقط مِن المهاجرين وعشراتٍ مِن الأنصار؛ كانوا يوم بيعة العقبة الثانية اثنين وسبعين، تضاعفوا إلى هذا العدد الهائل -قُدِّر بنحو أربعين ألفًا-؛ فبالصدق والإخلاص، والصبر واليقين يبارك الله في الدعوة القائمة على الوحي.