شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل كانت حرب اليمن أحد أسباب هزيمة 1967م؟

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتعد "حرب اليمن" التي خاضتها مصر في الستينيات مِن القرن الميلادي الماضي أحد الأحداث الهامة التي مرَّت بها مصر، حيث كان لها انعكاسات كبيرة ومؤثرة على الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية في مصر والمنطقة العربية، بل لم يسلم هذا الحدث مِن تدخل القوى العالمية مِن وراء ستار في تسيير أحداثها، وتوجيهها واستغلالها في تحقيق أهدافها في تلك الفترة الهامة مِن تاريخ مصر والأمة العربية.

ولكن هل كانت هذه الحرب التي استمرت مِن 1962م وحتى 1967م عاملًا مِن عوامل هزيمة مصر المريرة في يونيو 1967م؟

خاصة وأنها شغلت مصر واستنزفتها -بشدة- اقتصاديًّا وعسكريًّا، وأشعلت صورًا مِن "الصراع العربي - العربي"؛ مزقت الوحدة العربية الشكلية وقتها، وعمقت مِن التفكك والتشرذم العربي، فلم يفق العرب منها إلا وقد احتلت إسرائيل مساحات كبيرة مِن الأراضي العربية في مصر والأردن وسوريا إلى جانب الاستيلاء على ما تبقى مِن فلسطين بالاستيلاء على القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، ولعل معرفة الجواب تتضح مِن خلال هذا العرض الموجز عن حرب اليمن.

كيف بدأت حرب اليمن؟

أعلن في اليمن عن قيام الثورة اليمنية (الانقلاب العسكري) بقيادة اللواء "عبد الله السلال" في 26 سبتمبر 1962م، الذي سارع إلى طلب المعونة العسكرية مِن مصر لمواجهة القبائل اليمنية المتوقع تمردها على الثورة، ووافقت القيادة المصرية سريعًا على إرسال قوات مصرية إلى اليمن لمساندة ثورة الجيش اليمني.

لماذا قبل "عبد الناصر" دخول اليمن؟!

قيل في أسباب ذلك:

1- كانت مصر تعاني عند قيام الثورة اليمنية مِن توابع الانفصال عن سوريا، بعد فشل الوحدة بيْن مصر وسوريا، والتي استمرت مِن 1958م حتى 1961م، بطلبٍ مِن سوريا في قيامها، وطلب مِن سوريا في إنهائها، ولم يسع عبد الناصر إلا قبول الطلبين على تناقضهما؛ فربما وجد "عبد الناصر" في مساندة اليمن عسكريًّا رفعًا لأسهمه في المنطقة العربية، ورد الاعتبار له، مع ما فيه مِن إحياء روح الوحدة العربية مِن جديد.

2- وجدت مصر في دخول اليمن -بعد دورها في تحرير الجزائر- خطوة للأمام في الصراع مع الاستعمار الأوروبي عامة، وبريطانيا خاصة؛ إذ يمكن بالتواجد في اليمن السعي لتحرير عدن مِن الاحتلال البريطاني، الذي يؤثر على تحكم بريطانيا في مضيق باب المندب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

3- زاد الأمر قبولًا موافقة -وتأييد- الاتحاد السوفيتي كقوة كبرى داعمة لدخول القوات المصرية في اليمن.

4- كانت المعلومات لدى القيادة المصرية تجعلها تظن أن المهمة في اليمن ستكون سهلة وقصيرة، لا تحتاج لأكثر مِن كتيبة مصرية مِن الجيش المصري تكون كافية لحماية الثورة اليمنية، وإخضاع اليمن ككل.

بدأ توافد القوات المصرية جوًّا مِن 28 سبتمبر1962م، وتبع ذلك إرسال قوات إضافية بحرًا، وأدى تفاقم الأحداث إلى تزايد وتضاعف القوات المصرية في اليمن، مع تزايد العتاد والمعدات، مِن مدفعية ومدرعات وطائرات، حتى أصبح لمصر جيش كامل يقاتل في اليمن ولعدة سنوات.

أوضاع اليمن قبْل الثورة (الانقلاب):

كان "الإمام أحمد يحيى" مِن أسرة "حميد الدين" يحكم اليمن منذ عام 1948م، بعد أن تولى السلطة بعد مقتل والده ونجاحه في استعادة الحكم مِن قتلة أبيه بمعاونة قبائل (بكيل) و(حاشد)، وقد راح ضحية لاستعادة السلطة ما لا يقل عن 6 آلاف يمني، وقد حكم الإمام أحمد اليمن طوال حياته وحتى موته بقبضةٍ مِن حديدٍ، ورأى معارضوه أنه باستبداده وديكتاتوريته يحول بيْن اليمن والتقدم والمدنية الحديثة.

وقد عين الإمام أحمد ابنه الأمير محمد البدر وليًّا للعهد، وكان البدر غير راض عن أسلوب والده في الحكم، ويتعاطف مع اتجاه الإصلاح، بل وله صداقة مع عبد الناصر، ومع وفاة الإمام أحمد وإعلان البدر نفسه إمامًا لليمن خلفًا لوالده، ولما كان الإمام البدر ليس له سطوة وقوة في الحكم كوالده، قام عبد الله السلال -الذي كان مع كونه مِن المقربين مِن الإمام البدر ويرأس تنظيمًا عسكريًّا مِن صغار الضباط- بانقلابٍ عسكريٍ ضد الإمام البدر للإطاحة بحكم بيت حميد الدين، حيث قام في 26 سبتمبر 1962م بمحاصرة قصر البشائر في العاصمة صنعاء حيث إقامة الإمام البدر بالدبابات التي أطلقت قذائفها على القصر، في الوقت الذي قامت فيه قوة أخرى بالاستيلاء على الإذاعة، وإعلان البيان الأول للثورة اليمنية، وأعلن معه مقتل الإمام البدر، وقيام الجمهورية.

هرب الإمام البدر إلى السعودية:

في الوقت الذي أعلن فيه عن مقتل الإمام البدر، كان الإمام قد خرج مِن قصره المتهدم متخفيًا، وتجاوز أسوار صنعاء، ومِن صنعاء إلى منطقة (جيحانة)، ومنها واصل سيره سرًّا حتى بلغ حدود المملكة العربية السعودية، ومِن السعودية أعلن بعد فترة أنه ما زال حيًّا، وخلال ذلك جاء إلى (جدة) قادمًا من (نيويورك) الأمير (حسن) -ابن عم الإمام البدر، والذي كان يمثِّل اليمن في الأمم المتحدة- وأعلن نفسه إمامًا لليمن خلفًا للإمام البدر عقب الإعلان عن مقتله وقيام الثورة، وبعد ظهور الإمام البدر في السعودية مِن جديد تنازل الأمير حسن عن الإمامة للأمير البدر.

تجمعت أسرة حميد الدين في السعودية، وقد عزمت على استرجاع السلطة والحكم بالقوة مِن ضباط الانقلاب العسكري، وقد استضاف النظام الملكي في السعودية أسرة حميد الدين، وقدَّم لها العون لمواجهة الثورة في اليمن، وبالتالي الدخول في مواجهة مع الوجود المصري هناك.

حشد الأمير البدر قوات مِن القبائل اليمنية بلغ عددها 20 ألف مقاتل لاسترداد الحكم في اليمن، ووزعها لتدخل اليمن مِن أربع جبهات: قوة مِن شرق اليمن بقيادة الأمير حسن، وقوة مِن جهة مدينة (صعدة) يقودها الأمير البدر، وقوة مِن جهة منطقة (الجوف)، وقوة مِن جهة (حريب). وقد اتخذت أسرة حميد الدين مِن (نجران) -القريبة مِن حدود اليمن- مقرًّا سياسيًّا وعسكريًّا لها في مواجهة العسكريين الجمهوريين.

لماذا ساندت السعودية الإمام البدر؟

قيل في أسباب ذلك:

الصفحة التالية