شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل كانت حرب اليمن أحد أسباب هزيمة 1967م؟

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

- تهيئة وتدريب الطيران المصري العائد مِن اليمن مِن جديدٍ على القتال في سيناء، ومواجهة سلاح الطيران الإسرائيلي المزود بطائرات غربية حديثة، بعد قتالٍ لسنواتٍ لم يواجه الطيران المصري فيها أي مقاومة جوية في اليمن، إلى جانب إعادة التنسيق بيْن هذه القوات بريًّا وجويًّا للحرب في صحراء سيناء، فلن تكون سماء سيناء خالية مِن طيران للعدو كما كان الحال في اليمن.

تهيئة هذه القوات على الحركة السريعة في قتال العدو بعد سنواتٍ مِن القتال في جبال اليمن امتاز بالبطء في الحركة والتمركز الدفاعي تنفيذا لسياسة النفس الطويل في مواجهة القوات والقبائل المتمردة على الثورة اليمنية.

- وجود أعدادٍ كبيرةٍ مِن القوات المصرية خارج مصر، حيث يتواجد نحو 50 ألف جندي مصري في اليمن عند تصاعد الأحداث.

- إعداد الدولة -فعليًّا وواقعيًّا لا إعلاميًّا ومظهريًّا- لحالة الحرب اقتصاديًّا وداخليًّا؛ إذ دخول حرب قد تمتد لأيام أو أسابيع يحتاج إلى تهيئة مناسبة، وقد اعتمد عبد الناصر على تأكيدات معاونيه في هذا الشأن دون مراجعة شاملة وجادة لحقيقة الأمور على الجبهة وفي الداخل.

مناورة سياسية أم مجازفة عسكرية؟

يرى بعض المحللين أن القيادة المصرية في تصعيدها للأحداث مع إسرائيل عقب ما أثير حول حشودها على الجبهة السورية في الأيام السابقة لبدء حرب يونيو 1967م، كان مناورة سياسية مِن عبد الناصر، لكنه استدرج بها إلى حرب ومواجهة عسكرية مع إسرائيل لم يكن مستعدًا لها؛ وإلا فدخوله الحرب بغير الاستعداد الكامل لها يعد مجازفة لا يحتملها وضع البلاد.

فقد عقدت مصر معاهدة دفاع مشترك مع سوريا ثم الأردن قبْل حرب يونيو بشهور، وسارعت إلى تفعيلها والعمل بها مع ظهور حشود إسرائيلية على الحدود السورية، رغم عدم توتر الأوضاع على "الجبهة المصرية – الإسرائيلية" نتيجة وجود قوات الطوارئ الدولية في سيناء مِن بعد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م، بل كان طلب مصر سحب قوات الطوارئ الدولية ينتج عنه توتر هذه الجبهة، إلى جانب إعادة قوات مصرية مِن اليمن وحشدها مع القوات العسكرية المصرية في سيناء، وإدخال قوات وأسلحة ثقيلة في سيناء وقطاع غزة، في الوقت الذي أغلقت فيه مصر (مضيق تيران) في وجه الملاحة الإسرائيلية ومنعت وصول أي سفينة تحمل البترول أو المواد الإستراتيجية لإسرائيل؛ هذا في الوقت الذي زاد فيه نشاط الفدائيين ضد الإسرائيليين داخل إسرائيل، إلى جانب دخول قوات عربية إلى الضفة الغربية؛ فهذه أحداث تدفع للحرب دفعًا، وكانت إسرائيل تعد نفسها مِن بعد 1956م لحربٍ لابد منها مع العرب، وتنسق مع أمريكا للوقوف بجانبها فيها، فجاءت الأحداث مِن مصر والعرب لتعطيها الفرصة المناسبة للقيام بحرب استعدت لها جيدًا مِن سنواتٍ، فلم تكن الضربة التي وجهتها إسرائيل لمصر وسوريا والأردن بهذه الكيفية والتخطيط والإعداد وليدة الساعة، ولم يكن وقوف أمريكا والغرب إلى جانب إسرائيل رغم أنها التي هي التي بدأت بالعدوان والهجوم بعد التعهد -مِن مصر وإسرائيل- أمام القوتين الكبيرتين -أمريكا وروسيا- بعدم البدء بالقتال وليد السعة؛ لذا فلم يجبروا إسرائيل على الانسحاب مِن سيناء كما تم بعد عدوان 1956م؛ لأن هذه الحرب قد أعد لها مِن قبْل، وبيت لها بليل، وجاءت الأحداث المتصاعدة لتعجل بها وتمهد لها، ولم تضيع إسرائيل تلك الفرصة.

نهاية مأساة مصر في اليمن:

جاءت الهزيمة القاسية للقوات المصرية التي حشدت في سيناء بغير مهامٍ واضحةٍ وإعدادٍ كافٍ، وفرض عليها الانسحاب بعد تدمير سلاح الطيران المصري، وفي ظل سيطرة إسرائيلية كاملة على سماء سيناء، لتكتب نهاية حزينة للمواجهة مع إسرائيل، وكان لزامًا على عبد الناصر أن يخرج بقواته مِن اليمن، فتم الاتفاق بوساطة سودانية على انسحاب مصر مِن اليمن في مقابل توقف السعودية عن دعم الملكيين في اليمن، ويترك للشعب اليمني تقرير مصيره، وعليه تم نقل نحو 50 ألف جندي مصري مِن اليمن على بواخر مصرية ويونانية، حيث نزلوا على شواطئ مصرية على البحر الأحمر بعيدًا عن متناول الطائرات الإسرائيلية ومدى نيران العدو.

وهكذا انتهت مأساة مصر في اليمن بعد قرابة 5 سنوات قدمت فيها مصر نحو 20 ألف قتيل، وبتكلفة بلغت في المتوسط مليونين مِن الجنيهات يوميًّا، أثرت على التنمية في مصر، وتمادى عبد الناصر طوال هذه السنوات الخمس في التنكيل بكل مَن يعارض وجود مصر في اليمن، فأبعد الكثير مِن أصحاب الكفاءات والمكانة العلمية عن الصدارة لكونهم ليسوا أهلًا لثقته، وفرَّ كثيرون إلى خارج البلاد هروبًا مِن استبداد عبد الناصر، وشهدت هذه الفترة العصيبة مِن حكم عبد الناصر تغيرات كثيرة في المجتمع المصري اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، انتهت بهزيمة مفجعة كانت بمنزلة سقوطًا لحقبة الناصرية في مصر، وعاني مِن تبعاتها جيل الهزيمة ومَن جاء بعده!

اليمن بعد الخروج المصري:

بعد رحيل القوات المصرية عن اليمن وخلال زيارة خارجية قام بها عبد الله السلال للقاهرة وبغداد استولى الجيش اليمني على السلطة في صنعاء، وأسند رئاسة البلاد للقاضي عبد الرحمن الأرياني، الذي كان يحمل أفكارًا إصلاحية، اعتقل بسببها وسجن في عهد الإمام أحمد، وتعرض بسبب الاختلاف مع عبد الله السلال على أسلوب الحكم بعد قيام الجمهورية في اليمن إلى النفي إلى القاهرة، وحددت إقامته هناك، فلما عاد لصنعاء بعد خروج القوات المصرية مِن اليمن، حيث ظلت إقامته أيضًا محددة بمنزله في صنعاء، اختاره رجال الجيش في النظام الجديد لرئاسة اليمن بدلًا مِن عبد الله السلال.

للاستزادة راجع:

- كتاب (أسرار حرب اليمن) تأليف الكاتب وجيه أبو ذكري، ط. كتاب اليوم - أبريل 1986م، وقد طبع مِن قبل باسم (الزهور تدفن في اليمن) في عام 1972، وفي عام 1977م.

- كتاب (يوميات ضابط في حرب اليمن) تأليف محمود مبروك، ط. الهيئة العامة للكتاب عام 2014م.

الصفحة السابقة