شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (4)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ. وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ؛ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَلْبِيَتَهُ" (رواه مسلم) .

التلبية: هذا الدعاء العظيم، والذِّكْر الكَنز، الذي يفجر في القلب ينابيع الحب والشوق إلى الله سُبْحَانَهُ؛ فإن الإنسان الصغير الضعيف المحتاج الذي لا يشغل مِن الزمان والمكان شيئًا يُذكر -بل وجوده كالهباءة المنثورة- إذا استشعر أن الله - سُبْحَانَهُ- الذي هو الخالق، العلي الكبير العظيم، الغني، الأول الذي ليس قبله شيء -حين كان هو عدمًا محضًا-، الآخر الذي ليس بعده شيء -فالخلق كلهم يموتون-، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء، القوي العزيز، هو الذي يريده ويناديه على ألسنة رسله وفي كتبه المنزلة؛ يريده لعبادته ومَحَبَّتِه، واصطفاه مِن بيْن خلقه بنوعٍ خاص مِن العبودية؛ إذ أوجده في وسط المخالفات، في وسط مَن يفسد في الأرض ويسفك الدماء؛ ليعرفه ويعبده، ويدافع ويقاوم، ويجاهد ويراغم، ويتحمل الغربة في وسط أنواع الفساد؛ فالعبد في داخل نفسه يجد مخالفات -شهوات ورغبات محرمة-، وحوله مخالفات -شياطين الإنس والجن، وأعمالهم، ومكرهم وكيدهم- وهو - سُبْحَانَهُ- اجتباه مِن ذلك واختصه بأعلى أنواع التكريم، وأَمَرَه ونَهاه، ودعاه إليه بدار السلام، وهداه الصراط المستقيم، وفي هذه الدنيا دعاه لكي يكون ضيفًا عليه في بيته -بيت الله الحرام-.

فأنتَ أيها المؤمن كنت مُرَادًا حتى تكون مُرِيدًا مخلصًا، وأُخلِصت فأَخلَصت؛ فأنت مُخْلَص مُخْلِص، كنت قبْل وجودك مِن أهل قبضة اليمين وعرفك الشيطان فاستثناك مِن الإغواء حين ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (ص:82-83) ؛ فأنتَ مِن المخلَصين حتى تكون مِن المُخْلِصين، وربك يناديك؛ فما أَجَلَّ أن تقول، وما أعظم أن تقول، وما أحلى أن تقول: "لبيك"؛ أنا يا ربي ذاهب إليك، مجيب لأمرك بقلبي وبدني ( وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) (الصافات:99) .

هل تحاول استشعار معنى: ( إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي )؟

ومعنى الهجرة بالقلب والسفر إليه في قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ) (رواه البخاري) ؟ وقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ) (رواه مسلم) .

فلما كانت العبادة في الفتن تماثل ثواب الهجرة اليه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ ذلك لأنها هجرة بالقلب إلى سُنَّتِه وطريقته في عبادة الله؛ فهل نَلِج وندخل باب هذا الفضل العظيم في زمان الفتن؟!

فرصة عظيمة أن نكون من المهاجرين؛ فهل نغتنمها؟!

وليست الإجابة لله - سُبْحَانَهُ- مرة واحدة ثم تنقطع؛ بل هي إجابة بعد إجابة، وإقامة بعد إقامة، على طاعته -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ، وهذا سر التثنية في لفظ التلبية؛ لذلك يكرر المؤمن الاستجابة لأمر الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مَرَّةً بعد مرة، ليس مرتين فقط، ولكن يكرر ذلك؛ فهو قد أعلن الإجابة وواظَب عليها، وأَقَرَّ بالطاعة وامتثال الأمر وواظَب على ذلك، ( قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ) (رواه مسلم) ، وصية رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- .

وكما أخبر -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عن عباده المؤمنين: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) (فصلت:30) .

هذه التلبية يحتاجها المؤمن دائمًا، وقد سئل الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- عن التلبية للحلال فقال: "لا بأس بالتلبية للحلال"، وقد وردت التلبية في دعاء قيام الليل في استفتاح الصلاة الذي أَوَّلُه: ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (رواه مسلم) .

وهذه المشاعر العظيمة تتضاعف حين يستحضر العبد كيف ورد لفظ التلبية في تلبية رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أربع مرات، ولعلك تعرف مِن هنا فائدة لزوم رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هذه التلبية مع كونه لم ينكر على الناس غيرها مِن تلبية التوحيد دون تلبية المشركين المتناقضة السخيفة؛ وذلك أنهم كانوا يضيفون إليها: "إلا شريكًا هو لك، ملكته وما ملك!".

وكان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في أول البعثة ينهاهم عن ذلك فيقول بعد قولهم: "لبيك لا شريك لك لبيك": "قد، قد" أي: اكتفوا بها، لا تزيدوا الباطل المتناقض؛ كيف يكون شريكًا لله وهو مملوك وما ملك؛ فأي شيء يملكه إذن؟! فتلبية رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تضمنت تكرار الغاية مِن هذا الذِّكر، وهو الإجابة أربع مرات، وكل لفظ بالتلبية؛ فهي تؤكد في قلب العبد قضية الاستجابة لله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ، واستشعار أنه مطلوب للحضور في بيت الله ضيفًا، وأنه يجيب ربه إلى هذه الدعوة كما هو يجيبه لغيرها في حياته كلها.

والتلبية الأخرى وإن تضمنت مَعَانٍ حسنة مثل: "لبيك وسعديك" أي: مساعدة لأمرك بعد مساعدة، بمعنى أن الكون في أمر الله وطاعته وخدمته، وليست بمعنى المعاونة التي في حق البشر، بل الإسعاد معناه: أنا في الطاعة ونفاذ الأمر والخدمة، وإن كان لفظ الخدمة لم يَرِد في الكتاب والسُنَّة؛ فنختار لفظ العبادة والطاعة والتسليم والانقياد، ولكن المقصود مِن التلبية هو قضية الإجابة، وتكررها في تلبية رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يؤكد حقيقتها في القلب، ويجعلها طريقًا للحياة.

الصفحة التالية