شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (4)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

ويتضاعف هذ الأمر في قلب المؤمن إذا استحضر أن الأنبياء -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- كانوا يُلَبُّون كذلك، كما قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عندما مَرَّ بوادي الأزرق، فقال: (أ َيُّ وَادٍ هَذَا؟ ) فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: ( كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ -وفي رواية: ( مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي )- وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ ) -أي صوت مرتفع- ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: ( أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ ) قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: ( كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ -أي: ليف- وَهُوَ يُلَبِّي ) (رواه مسلم) ؛ فهم في غاية التواضع يستجيبون لأمر الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فالمؤمن يستشعر أنه واحد مِن جمع غفير، مستجيبين لأمر الله، أولهم أنبياء الله -تعالى-، محمد وإبراهيم وموسى ويونس، ويحج عيسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إذا نزل إلى الأرض قبْل آخر الزمان، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا ) (رواه مسلم) .

فكل هذه الأماكن بيْن المدينة ومكة مرَّ بها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حجة الوداع، وتذكُّر مرور الأنبياء بهذه الأماكن بعينها التي يمر بها الحجاج بيْن المدينة ومكة، وينادون بنفس التلبية التي يلبون بها؛ توقظ في القلب حب الأنبياء والسير على طريقهم؛ طريق العبودية والتوحيد، والحب والاستجابة لأمر الله -تعالى-، ولو كره المشركون، ولو خالف الكافرون، ولو حاولوا صَرْفَنا عن طريقنا فلن ننصرف أبدًا -بإذن الله-.

وأول ما ينادي العبد ربه بالتلبية بلفظ الألوهية: "لَبَّيْكَ الَّلهُمَّ لَبَّيْكَ"؛ فهو تأكيد على قضيته الأولى في الحياة: عبادة الله وحده لا شريك له، بل هي قضية الكائنات كلها ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) (الإسراء:44) ، وقال - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- : ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ) (مريم:93-95) ، ثم يكرر لفظ الإجابة: "لَبَّيْكَ"، وينفي الشرك عن الله في إلهيته: "لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ"؛ فأفعالي كلها أتوجه بها إلى الله، لا أشرك فيها أحدًا غيره، وأتبرأ مِن الشرك ومِن المشركين، وأنفي الشرك وأُبْطِله، لا كالذين يصححون مذاهب المشركين وأديانهم ويسوون بيْن الإسلام وغيره مِن ملل الكفر، فيقدحون في أصل الدين وشهادة: "أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، قال -تعالى-: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) (آل عمران:19) .

إن دين الإسلام لا يقوم في قلب العبد إلا بهدم الشرك وإبطاله، في الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، وكذلك يسعى المسلم في العالم لهدم الشرك وإبطال عبادة غير الله، ونشر نور التوحيد؛ لتعرف البشرية أعظم نعمة أنعم الله بها على خلقه.

ثم يدعو الملبي ربه بأفضل الدعاء: "الحمد"، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، فيقول العبد المُلَبِّي: "إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ" فيجمع المُلَبِّي بيْن أفضل الذكر وأفضل الدعاء، وهو يستحضر في ذلك استحقاق الرب كل أنواع الكمال، والثناء عليه بها، والتعظيم بالقلب واللسان، ربه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- هو وحده المستحق لهذا الحمد، وهذا يتضمن حمده على جماله وجلاله، وكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، كما تضمن حمده على إنعامه وإحسانه؛ ويؤكد بالعطف بالنعمة، فذكر النعمة له -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بعد الحمد -وقد دخلت فيه- عطفٌ للخاص على العام؛ تأكيدًا لشهود العبد المؤمن لذلك، فالنعم مِن الله وحده، وإذا استحضر العبد أثناء التلبية نعم الله عليه في دينه ودنياه لكان ذلك مِن أسباب ذوبان قلبه حبًّا وشوقًا وخضوعًا وذلًا لربه - سُبْحَانَهُ- الذي لا تُحصَى نعمه ولا تُعَدُّ.

والله -عَزَّ وَجَلَّ- يرضى منا بالقليل مِن الشكر، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ) (رواه مسلم) .

وذكر كلمة "لك" أي: هو منفرد بذلك، أنت يا رب منفرد بالحمد والنعمة، وكذا بالملك.

والجمع بيْن الحمد والملك مع التوحيد متكرر في أدعية رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، " لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "، وهو أفضل الدعاء يوم عرفة؛ أفضل ما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والنبيون كما ورد في الحديث؛ ولأن كمال الملك مع كمال الحمد كمال إضافي، فوق أن كلًا منهما كمال في حد ذاته.

ثم يكرر العبد: "لَا شَرِيكَ لَكَ"، وهذا نفي للشرك في الربوبية والأسماء والصفات والأفعال والملك والنعمة، وكلها مِن معاني الربوبية -أفعاله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ، بعد أن نفى الشرك في الألوهية الذي ذكره في أول التلبية لينفي الشرك في أفعال العبد أن يتوجه بها لغير الله.

فالتلبية مِن الأدعية العظيمة التي تُعرف العبد حقيقة السلعة التي معه؛ روحه ونفسه المؤمنة: هل يَضِنُّ بها أم يبيعها بالثمن البخس؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية