شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (5)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ؛ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ. حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ؛ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَام- فَقَرَأَ: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) (البقرة:125) ؛ فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. فَكَانَ أَبِي يَقُولُ، وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ"، وَ"قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ".

إن مخالفة المشركين والتبرؤ منهم، وتحقيق الشعور بالشخصية المستقلة لدى المسلمين أمر في غاية الظهور في حجة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بل في شؤونه كلها.

كان المشركون في الجاهلية يرون أن العمرة في أشهر الحج مِن أفجر الفجور؛ فنزل القرآن بمخالفتهم، وجعل العمرة في أشهر الحج والبقاء إلى الحج بمكة متعة يستمتع المسلم بها، ويشكر ربه على هذه النعمة بالهدي، وهو على الصحيح هَدْي شُكْران لا هَدْي جُبْران، والتمتع أفضل المناسك، قال -تعالى-: ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (البقرة:196) .

وأجاز النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأصحابه في أول الإحرام أن مَن شاء أن يُحْرِم بحج فليُحْرِم، ومَن أراد أن يُحْرِم بعُمْرَةٍ فليُحْرِم، ومَن أراد أن يُحْرِم بحج وعمرة فليُحْرِم، وكانت عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- ممن أهَلَّ -أي أحْرَم- بعُمْرَة، وكان هو -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد أحْرَم بحج وعمرة قارنًا بينهما بأمر ربه -عَزَّ وَجَلَّ-؛ إذ أتاه جبريل ليلة الإحرام مِن ربه -عَزَّ وَجَلَّ- وقال له: ( قُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ ) (رواه البخاري) ؛ لأنه كان قد ساق الهدي، وهذه العمرة هي لمخالفة المشركين في زعمهم الكاذب أن العمرة في أشهر الحج مِن أفجر الفجور!

ومخالفة الكفار وعدم التشبه بهم سمة أساسية للمسلم بأمر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في شعائر وشرائع وعبادات وعادات كثيرة جدًّا، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( ومَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) (رواه أحمد وأبو دود، وصححه الألباني) .

وللأسف صارت أكثر شعوب المسلمين اليوم تقلد الغرب وتتشبه به، حتى في الضلالات والسخافات والفواحش! حتى يُقال على مسامعهم مِن بعض رؤسائهم أنه لا دخل لدولتنا بالدين والمرجعية الدينية ولا بالقرآن ولا بالآيات القرآنية؛ وذلك تمهيدًا لتشريع المساواة بيْن الذكر والأنثى في الميراث؛ هذا الكفر البواح، هو لتقليد الغرب والاستجابة لمطالبه، وكذا في ما يسمى بالحرية الجنسية وحقوق المثليين -زعموا- في أن تسن التشريعات التي تحفظ حقوقهم! نعوذ بالله، وغيرها مِن الضلالات والكفريات التي ربى الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أصحابه على النفور منها، والتبرؤ منها، ورفضها ومحاربتها، بل ما دون ذلك بكثير.

وقد ورد الأمر عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بإعفاء اللحية مخالفةً للمشركين؛ فقال: ( خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ؛ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى ) (رواه البخاري ومسلم واللفظ له) ، وقال في دفن الموتى: ( اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال في الصيام: ( فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ ) (رواه مسلم) ، وفي عاشوراء قال: ( لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ، لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ ) (رواه مسلم) ، مخالفةً لليهود.

ونهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها؛ لأنها ساعة يسجد فيها المشركون فيها للشمس، وهي ( تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ ) (متفق عليه) ، وأمر أصحابه بفسخ الحج إلى عمرة إلا مَن كان قد ساق الهدي -كما في حديث مُسْلِم الذي معنا-؛ مخالفةً للمشركين، ورَمَل ثلاثًا ومشى أربعًا؛ تذكيرًا للمسلمين بإغاظة المشركين؛ فإن أول تشريع الرمل كان في عُمْرَة القَضِيَّة، فعن عبد الله بن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قال: " قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاَثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ" (متفق عليه) ؛ وذلك أن المشركين جلسوا مما يلي الحجر، فكان ما بيْن الركنين لا يرون المسلمين فيه.

أما في حجة الوداع فقد رَمَل رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، أي في الطوفة كلها، الطوافات الثلاث الأولى؛ فقد صارت سُنَّة مستقلة، وقد استشكل عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ذلك بعد أن نفى الله الشرك وأهلَه، فعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يقول: "فِيمَ الرَّمَلَانُ الْيَوْمَ وَالْكَشْفُ عَنِ الْمَنَاكِبِ؛ وَقَدْ أَطَّأَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ؟ مَعَ ذَلِكَ، لَا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (رواه أبو داود وابن ماجه، وقال الألباني: حسن صحيح) .

الصفحة التالية