تأملات في حجة الوداع (5)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
وبقيت سُنَّة الرَّمَل وسُنَّة الاضطباع، لتحيي في قلب المسلم قضية مخالفة المشركين وأهل الكفر وإغاظتهم، ولو بعد زوال السبب؛ لكي لا يتسلل إلينا هَوَان مداهنتهم ومشابهتهم وإرضائهم بحالٍ مِن الأحوال، قال -تعالى-: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ) (التوبة:120) ، والرَّمَل هو: الإسراع في المشي دون الجري مع تقارب الخطى، والاضطباع هو: كشف المنكب الأيمن، وإلقاء طرف الرداء على المنكب الأيسر؛ وهي هيئة تعين على الإسراع.
ومِن ضمن البراءة مِن الشرك وأهله: ما قرأه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن سورة "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ" في الركعة الأولى من سُنَّة الطواف بعد الفاتحة، و"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" في الركعة الثانية؛ وذلك لأن سورة الكافرون براءة مِن الشرك، وهي تتضمن إقرارًا بالكفر لكل مَن خالَف دين الإسلام؛ فـ"لَكُمْ دِينُكُمْ"؛ فكل مِلَّة تخالف دين الإسلام يخاطَب أصحابها بـ"قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ"، و"وَلِيَ دِينِ"؛ ديني هو الإسلام لا دين سواه، ولا تصح عبادة أحد لله -عَزَّ وَجَلَّ- وهو يعبد غيره؛ فمن عَبَد غير الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فإنه لم يعبد الله؛ لأن المقصود أن يعبده بالتوحيد، ففيها البراءة مِن الشرك وأهله، وكذلك "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ"، فيها إثبات صفة الكمال والوحدانية لله -عَزَّ وَجَلَّ- ، فـ"اللَّهُ الصَّمَدُ"؛ الصَّمَدُ: السيد الذي قد كَمل في سؤدده العظيم، الذي قد كمل في عظمته، الحليم الذي قد كمل في حِلْمِه، العليم الذي قد كمل في عِلْمِه، الذي قد كمل في كل أنواع الكمال والتعظيم، وهو الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم.
وكذلك نفي أن يكون له والد أو ولد؛ إبطالًا لملل الكفر الذين يثبتون لله ولدًا أو يجعلونه مولودًا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا-، ثم ختمت بالآية الجامعة: ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ )؛ فهاتان السورتان تبينان للمسلمين دائمًا مفارقتهم لأهل الشرك والكفر .
أما استلام الحجر فقد فعله النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حَجّه وعمراته كلها، وقبَّله، وثبت أيضًا السجود عليه، وقد قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وعنه مرفوعًا: ( وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وهذا تذكير لنا بموطننا الأول الذي خرجنا منه بالخطيئة والمعصية، بالابتلاء والمِحْنَة، بحكمة العَلِيِّ القدير العزيز الحكيم، وما زالت نفوسنا تشتاق إلى بلادنا الأولى في الجَنَّة، وتَحِنُّ نفوسنا إلى أحجارها، ومِن رحمته -سبحانه- أن جعل لنا مِن مواطننا الأولى حجرًا تَرِقُّ قلوبنا وتدمع عيوننا شوقًا إلى الجنة، وندمًا على السيئات؛ ولذا كان استلامه يحط الخطايا حطًّا، ومَن عَجَز عن تقبيله استلَمه بيده أو بشيءٍ في يده، وقبَّل يده أو قَبَّل ذلك الشيء، عن أبي الطفيل قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ" (رواه مسلم) ، والمحجن عصى ملتوية، ومَن عجز عن الاستلام أشار إليه، ولم يُقَبِّل يدَه.
ومع ذلك فالحجر الأسود، حجر لا يضر ولا ينفع، كما قال عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- للحَجَر بعد أن قَبَّله: "إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ" (رواه البخاري) ؛ فليس عند المسلمين اعتقادات شركية في الأحجار، أو أنها تضر أو تنفع؛ بل الاتباع للرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والشوق والحنين لوطننا الأول هو الدافع لذلك، مع كمال التوحيد لله -عَزَّ وَجَلَّ-.
فَـحَيَّ عَـلَى جَنَّاتِ عَدنٍ فَإِنَّها مَنَازِلُنَا الأولَى وَفِيها المُخَيَّـمُ
وَلكننَا سَبْيُ العَدُوِّ فَهلْ تـُرَى نـَعُـودُ إِلَى أَوْطَـانِـنـَا وَنُسَلّـَمُ
وللحديث بقية إن شاء الله-.