لبيك لا شريك لك لبيك
رمضان النجدي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فما أن تمر علينا هذه الأيام المباركات كل عام؛ إلا وتهب علينا نسائم الإيمان، ويتفيأ العبد ظلال هذه المشاهد العظيمة مِن حجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكثيرة هي الدروس والعِبَر مِن حجة سيد البشر -عليه أفضل الصلاة وأتم السلام-.
ومنها درس عظيم مبارك، وهو إظهار البراءة مِن الشرك وأهله، وعما كانوا عليه مِن عادات باطلة اخترعوها، وبدلوا فيها دين إبراهيم -عليه السلام-؛ فلقد كان حريصًا أشد الحرص -عليه الصلاة والسلام- أن يفارق ويبرأ مما كان عليه المشركون، ويظهر ذلك في مشاهد عديدةٍ مِن حجته تحقيقًا لقوله -صلى الله عليه وسلم- في شعار الحج: "لبيك لا شريك لك لبيك".
وهاكم عشرة مِن هذه المشاهد في حجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أظهر فيها البراءة مِن الشرك وأهله.
المشهد الأول:
لما نزل فرض الحج على النبي -صلى الله عليه وسلم- في السنة السادسة أو التاسعة -على الخلاف المشهور- أرسل أبا بكر -رضي الله عنه- على رأس ثلاثمائة مِن أصحابه عُرفوا بالمؤذنين، وأردفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لينادوا في الناس في موسم الحج للعام التاسع، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنًى بِبَرَاءَةَ، وَأَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ" (رواه البخاري) .
وكان هذا المشهد بداية المشاهد في حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه إعلان بالبراءة مِن الشرك وأهله وما كانوا عليه، ولقد عُرفت هذه السورة بسورة براءة مِن أجل هذا وفيها: ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) (التوبة:28) ، وكان هذا تمهيدًا لأعظم حجة عرفتها البشرية، وهي حجة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
المشهد الثاني:
في يوم الأحد 26 مِن ذي القعدة في العام العاشر مِن الهجرة ركب النبي -صلى الله عليه وسلم- القصواء مِن ذي الحليفة حتى إذا استوى عليها على البيداء حمد الله، وسبَّح وكبَّر، ثم قال: "لبيك اللهم حجة في عمرة، لبيك اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، فتأمل قوله في تلبيته وشعار حجته: "لبيك لا شريك لك لبيك" ثم يكرر: "لا شريك لك"، أي إجابة لك بعد إجابة، وحدك لا إجابة لأحدٍ غيرك، ونبرأ إلى الله أن نجيب في عبادتنا أحدًا سواك.
وتنزل عليه جبريل -عليه السلام- فقال: ( يَا مُحَمَّدُ، مُرْ أَصْحَابَكَ فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) ؛ فاهتزت الصحراء وتجاوبت الجبال بضجيج الملبين، وهتافهم بتوحيد رب العالمين: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك إله الحق، لبيك ذا المعارج، لبيك وسعديك، والخير في يديك والرغباء والعمل".
- زحفت تلك الجموع على هذه الحال مِن هتاف بالتلبية، وعجيج بالذكر، وإعلان بشعار الحج، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يلبي والناس معه يزيدون فيها وينقصون، وهو يقرهم ولا ينكر عليهم؛ فقد جاء عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء مِن أنواع التلبية، فجاء عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك، مرغوبًا أو مرهوبًا، لبيك ذا النعماء والفضل الحسن"، وجاء عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ) قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- يَزِيدُ فِيهَا: "لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ" (رواه مسلم) .
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ "ذَا الْمَعَارِجِ" (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
ويروى عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- كذلك أنه كان يقول في تلبيته: "لبيك حقًّا حقًّا، تعبدًا ورقًّا" ورواه الدارقطني في علـله، ورواه مرفوعًا وموقوفًا، ورجح وقفه. وإذا لزم الحاج الملبي ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو أولى.
وقد بُحَّت أصوت الصحابة -رضي الله عنهم- مِن لزوم التلبية، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما بلغنا الروحاء حتى سمعتُ عامة الناس قد بحت أصواتهم مِن التلبية" (السنن الكبرى للبيهقي) .
المشهد الثالث: "العمرة في أشهر الحج":
وهو مِن أعظم مشاهد البراءة مِن أحوال المشركين الباطلة حيث إنهم كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج مِن أفجر الفجور، وقد عبَّر جابر عن هذا حينما قال: "لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ" (رواه مسلم) ، أي لا نعرف العمرة في أشهر الحج؛ وإلا فهم يعرفون العمرة قطعًا قبْل الإسلام، وقبل حجة الوداع؛ فلذلك اجتهد رسول الله في مخالفتهم في هذا.