شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لبيك لا شريك لك لبيك

رمضان النجدي • من نور الوحيين

أولًا: بالنسبة له، فقد حج قارنًا على الصحيح فقال: "لبيك اللهم حجة في عمرة"، وهو يقصد مخالفة المشركين والبراءة مِن عاداتهم الباطلة حيث أوقع العمرة في أشهر الحج.

ثانيًا: بالنسبة لأصحابه فلعظم الأمر عليهم تدرج معهم:

1- ففي الميقات بذي الحليفة خيَّرهم، فقد قالت عائشة -رضي الله عنها-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ ) (متفق عليه) .

2- وعند سرف عرض عليهم لمَن لم يسق الهدي منهم أن يفسخوها إلى عمرة ولم يأمرهم، قالت عائشة -رضي الله عنها-: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَلَيَالِي الحَجِّ، وَحُرُمِ الحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: ( مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلاَ )، قَالَتْ: فَالْآخِذُ بِهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى العُمْرَةِ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ( مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهُ؟ ) قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ، قَالَ: ( وَمَا شَأْنُكِ؟ ) قُلْتُ: لاَ أُصَلِّي، قَالَ: ( فَلاَ يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا ) (متفق عليه) ، ولما قرب مِن مكة صلى الصبح وقال لأصحابه: ( مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً ) (رواه مسلم) .

3- وجاءت لحظة الأمر بالفسخ بعد السعي عند المروة، فلما قضى سعيه أمر مَن لم يسق الهدي مِن أصحابه أن يحلوا مِن إحرامهم ويجعلوها عمرة؛ فتعاظم الصحابة -رضي الله عنهم- ذلك، وشق عليهم، حتى قال جابر: "كبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا"، فتعاظموه؛ لأنهم خرجوا مِن المدينة لا يذكرون إلا الحج، وقد لبوا به؛ فكيف يفسخونه إلى عمرة؟!

ثم كيف يؤدون العمرة في أشهر الحج وأيامه، وكانوا يرون في الجاهلية العمرة في أشهر الحج مِن أفجر الفجور؟!

ثم كيف يحلون ويتمتعون بما يتمتع به المحل وليس بينهم وبيْن يوم عرفة إلا أربعة أيام؟! حتى قالوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أيُّ الحل؟ قال: ( الْحِلُّ كُلُّه ) (متفق عليه) ، قالوا: أيذهب أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيًّا؟!

وأما أنه شق عليهم؛ فإنهم يرون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمامهم لم يحل، وإنما لزم إحرامه، وهم الذين أشربت قلوبهم حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحب متابعته فيما يأتي ويذر؛ ولذا تباطؤوا في إجابته طمعًا أن يشركوه في حاله التي هو عليها مِن عدم الحل، ورأى النبي -صلى الله عليه وسلم- تباطؤهم وترددهم، فغضب مِن ذلك ودخل على عائشة تُعرف مِن حاله الغضب، حتى ظنت أن أحدًا آذاه وأغضبه، فقالت: مَنْ أَغْضَبَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ، قَالَ: ( أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ -يا الله! مجرد التردد في أمره عليه الصلاة والسلام يغضبه، فما بالنا بترك أمره أو الصد عنه؟!- وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حَلُّوا ) (رواه مسلم) ، فطابت قلوبهم، وقرت أعينهم بمقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك، وحَلّوا وسمعوا وأطاعوا كما هو شأنهم أبدًا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فرضي الله عنهم وأرضاهم.

المشهد الرابع:

قطع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الطريق بيْن مكة والمدينة في ثمانية أيام، تعرض فيها لنَصَب الطريق ووعثاء السفر؛ ولذلك لما قرب مِن مكة بات قريبًا منها يستريح هناك، ويتهيأ لدخولها نهارًا؛ فبات عند بئر "ذي طوى" في المكان المعروف اليوم بجرول أو آبار الزاهر.

ودخل يوم الأحد 4 مِن ذي الحجة، فلما أصبح -صلى الله عليه وسلم- اغتسل ثم دخل مكة مِن ثنية كداء، وهي التي تنزل اليوم على جسر الحجون، وذلك ضحوة يوم الأحد جهارًا نهارًا؛ ليراه الناس فيقتدوا به، فأناخ راحلته -صلى الله عليه وسلم- عند المسجد، ثم دخل مِن الباب الذي كان يدخل منه يوم كان بمكة "باب بني شيبة"، فدخل -صلى الله عليه وسلم- الحرم، فإذا هو على ملة أبيه إبراهيم -عليه السلام-؛ ليس حول الكعبة صنم، ولا يطوف بها عريان، ولم يحج إليها مشرك؛ إنه يوم عز ونصر للإسلام وأهله، وبراءة مِن الشرك وأهله، فدخلها -صلى الله عليه وسلم- نهارًا جهارًا يراه جميع الناس.

المشهد الخامس:

طاف بالبيت سبعًا يرمل في الأشواط الثلاثة الأول مضطبعًا، ورَمَله ثلاثًا ومشيه أربعًا؛ تذكيرًا للمسلمين بإغاظة المشركين؛ فإن أول تشريع الرمل كان في عُمْرَة القَضِيَّة، فعن عبد الله بن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قال: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاَثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ" (متفق عليه)؛ وذلك أن المشركين جلسوا مما يلي الحجر، فكان ما بيْن الركنين لا يرون المسلمين فيه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية