شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لبيك لا شريك لك لبيك

رمضان النجدي • من نور الوحيين

إن مكان الجاهلية بصورها وعاداتها، وتشريعاتها وقوانينها، ينبغي أن يكون تحت الأقدام وليس فوق الرؤوس، وهذا الموضع الذي ارتضاها لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان مِن عجاب هذا الموقف أن الذي كان يبلـِّغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للناس، ويصرخ فيهم بمقاله هو "ربيعة بن أمية بن خلف!"؛ هذا الذي قتل أبوه في بدر هبرًا بالسيوف، وهو يقاتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا ابنه يبلغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويصرخ في الناس بكلماته! ألا إنها أنوار النبوة، وهدي الرسالة، أطفأت تراث الجاهلية في القلوب التي كانت تتوارث الحقد، وتستعر فيها حرارة الثأر، فتبدلت وعادت خلقًا آخر لما هطلت عليها فيوض النبوة؛ فـ( اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) (الحج:5) ، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحب إليهم مِن آبائهم وأمهاتهم وقلوبهم التي بيْن جوانحهم ( ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (الأنعام:88) .

المشهد الثامن:

لما تناهى نهار عرفة دعا بأسامة بن زيد ليكون ردفه، فتنادى الناس يدعون أسامة واشرَأبَّت أعناق الأعراب ينتظرون هذا الذي حظي بشرف ردف النبي -صلى الله عليه وسلم-، وظنوه رجلًا مِن كبار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فما فجأهم إلا وشاب أسود أفطس أجعد يتوثب ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يلتزمه مِن خلفه ليكون له -مِن بيْن أهل الموقف كلهم- شرف الارتداف مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال حدثاء العهد بالإسلام متعجبين: "أهذا الذي حبسنا ابتغاؤه؟!".

وكأنما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهذا الاختيار يعلن تحطيم الفوارق بيْن البشر، ويدفن تحت مواطئ راحلته النعرات الجاهلية، والفوارق الطبقية، والنزعات العنصرية؛ ليعلن بطريقة عملية أنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى.

المشهد التاسع:

- تنفس صبح يوم النحر وأضاءت خيوط الفجر الأولى، وقام -صلى الله عليه وسلم- مسارعًا إلى صلاة الفجر، فصلاها في غاية البكور في أول الوقت، ثم ركب راحلته وتوجَّه إلى المشعر الحرام؛ فرقى عليها فاستقبل القبلة ورفع يديه يدعو ويلبي، ويكبر ويهلل على حال مِن الضراعة والخضوع، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، وقال: ( قَدْ وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .

فتأمل قولته: ( وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ )؛ فهذا المكان الذي أهلك الله فيه الكافرين الظالمين -أبرهة ومَن معه-، بل وطبق ذلك بنفسه فإنه لما وصل وادي محسر -بيْن مزدلفة ومنى- أسرع قدر رمية بحجر؛ لأن هذه أماكن مصارع الظالمين فلا يريد أن يطيل السير فيها، وهذا فعله حينما مرَّ بديار ثمود، وكل هذا مفارقة وبراءة مِن الكافرين والظالمين، وقارن بيْن هذا وبين مَن يتنزه فيها، ويستمتع ويمتع أولاده وأهله بها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المشهد العاشر:

في وسط أيام التشريق حينما سأله أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: ( وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ )، وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلاَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، ثم قال: ( نَنْزِلُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ ) يُرِيدُ المُحَصَّبَ. (متفق عليه) ، حيث قاسمتْ قريشًا على الكفر، وذلك أن بني كنانة حالفت قريشًا على بني هاشم أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم، ولا يؤوهم حتى يُسلِموا إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال عند ذلك: ( لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ) (متفق عليه) .

إنه المكان الذي كان يومًا معقلًا للكافرين وهم يتقاسمون ويتعاهدون على كفرهم وظلمهم، وجاءت اللحظة التي ظهر فيها الحق وزهق الباطل: ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ) (الإسراء:81) .

والحمد لله رب العالمين، والحمد لله أولًا وآخرًا.

اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأهلك الشرك والمشركين، وارزقنا حج بيتك الكريم.

اللهم أرنا مناسكنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم.

الصفحة السابقة