شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لبيك لا شريك لك لبيك

رمضان النجدي • من نور الوحيين

أما في حجة الوداع فقد رَمَل رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، أي في الطوفة كلها، الطوافات الثلاث الأولى؛ فقد صارت سُنَّة مستقلة، وقد استشكل عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ذلك بعد أن نفى الله الشرك وأهلَه، فعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يقول: "فِيمَ الرَّمَلَانُ الْيَوْمَ وَالْكَشْفُ عَنِ الْمَنَاكِبِ؛ وَقَدْ أَطَّأَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ؟ مَعَ ذَلِكَ، لَا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (رواه أبو داود وابن ماجه، وقال الألباني: حسن صحيح) .

وبقيت سُنَّة الرَّمَل وسُنَّة الاضطباع، لتحيي في قلب المسلم قضية مخالفة المشركين وأهل الكفر وإغاظتهم، ولو بعد زوال السبب؛ لكي لا يتسلل إلينا هَوَان مداهنتهم ومشابهتهم وإرضائهم بحالٍ مِن الأحوال، قال -تعالى-: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ) (التوبة:120) ، والرَّمَل هو: الإسراع في المشي دون الجري مع تقارب الخطى، والاضطباع هو: كشف المنكب الأيمن، وإلقاء طرف الرداء على المنكب الأيسر؛ وهي هيئة تعين على الإسراع.

ولما فرغ مِن طوافه مشى إلى مقام أبيه إبراهيم وهو يقرأ: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) (البقرة:125) ، ثم صلى ركعتين فقرأ في الأولى: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) (الكافرون:1) ، وفي الثانية: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) (الإخلاص:1) ، فأي قصد للبراءة مِن المشركين وتعظيم التوحيد أعظم مِن هذا؟! فهاتان السورتان تفسران بوضوح معنى: "لا إله إلا الله"، فالأولى وهي: "الكافرون" تفسِّر شق "لا إله"، فنفى كل ألوهية لغير الله والثانية وهي "الإخلاص تفسِّر الشق الثاني: "إلا الله".

ثم عاد -صلى الله عليه وسلم- إلى الحجر فقبله، ومسحه بيديه ثم مسح بهما وجهه، ثم توجه إلى الصفا فصعده وهو يقرأ: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) (البقرة:158) ، أبدأ بما بدأ الله به، حتى نظر إلى البيت فاستقبله ورفع يديه الشريفتين وهو يهتف: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، وصدق عبده، وهزم الأحزاب وحده"، ودعا في مقامه ذلك ما شاء الله أن يدعو.

يستحضر هذا المعنى ويكرره: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، والله يعجز القلم والبيان أن يعبِّر عما يجيش في الصدر في هذا المشهد.

المشهد السادس:

- أشرقت الشمس على خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة "يوم عرفة"، وسار الركب الشريف مِن منى إلى عرفات، وجموع الحجيج تسير معه؛ سار -صلى الله عليه وسلم- ولا يظن قومه إلا أنه سيقف معهم في مزدلفة كما كان شأنهم في الجاهلية، حيث جعلوا لأنفسهم موقفًا خاصًّا يقفون فيه، ولا يقفون مع الناس في عرفة؛ إذ يرون لأنفسهم مكانة وتميزًا لجوارهم بيت الله، وأنهم بذلك لا يشاركون الناس في الوقوف في عرفات، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- "الذي جاء بدينه للعالمين؛ لم يجئ به لفئةٍ مِن الناس يميزهم، ولو كانوا قومه وعشيرته" - تجاوزهم وسار ليقف مع الناس؛ عملًا بقول ربه: ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) (البقرة:199) .

وهذا مشهد مِن مشاهد التبرؤ مِن الجاهلية ومظاهرها التي كانت لا زالت قابعة في بعض النفوس حديثة الإسلام.

المشهد السابع:

وصل -صلى الله عليه وسلم- إلى نمرة، فإذا قبة قد ضربت له هناك، فجلس فيها حتى زالت الشمس، وركب راحلته القصواء، ثم نزل بها إلى بطن وادي عُرَنَة -وهو أرض دمثة فسيحة، يسهل اجتماع الناس عليها وجلوسهم فيها- فاجتمع الناس حوله في بطن الوادي، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على راحلته مشرف عليهم، أطاف به الناس فعرفته العيون، وأصاخت له المسامع، واشْرَأبَّت له الأعناق، وخفقت بحبه القلوب، تتعلق بمحياه، وتتلقف قوله؛ فتطاول -صلى الله عليه وسلم- للناس قد أمكن قدميه في الغرز، واعتمد على مقدم الرحل، وأشرف للناس ليخطبهم خطبة عظيمة، جمع فيها معاقد الدين، وعصم الملة، وتعظيم الحرمات، فدوى صوته بيْن أهل الموقف، حامدًا الله، مثنيًا عليه.

ثم عدد بنودًا تمثِّل دستور أمة الإسلام، وكان أول بنود هذا الدستور القطيعة والبراءة مِن الجاهلية، وهي تشمل كل ما خالف الإسلام سواءً كان شركًا أو معصية بأحوالها وعاداتها وصورها: كربا الجاهلية، ودماء الجاهلية، وحكم الجاهلية، وحمية الجاهلية، وظن الجاهلية، إلخ، فقال: ( أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ) (رواه مسلم) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية