بناء حائط الصواريخ (أيقونة الصمود والتحدي بعد هزيمة 1967م)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد جاءت عملية إعادة بناء مواقع الصواريخ المصرية غرب قناة السويس بعد هزيمة يونيو 1967م المريرة، وما ترتب عليها مِن استعادة قدرة الجيش المصري على التصدي مِن جديدٍ للطيران الإسرائيلي رمزًا على قوة وصلابة المقاتل المصري، الذي تعرض لظروفٍ صعبةٍ للغايةٍ في مواجهة عدوٍّ حقق نصرًا كاسحًا.
لقد كانت هزيمة يونيو 1967م نقطة سوداء في تاريخ العسكرية المصرية؛ إذ أدى عدم وضوح الرؤية للموقف السياسي، مع التردد بيْن الهدف السياسي والهدف العسكري إلى حشد ما يقرب مِن مائة ألف جندي في شبه جزيرة سيناء دون أن تكون لهم أي مهامٍ محددةٍ! وكانت النتيجة الطبيعية الهزيمة التي تمتْ.
ولقد "انتهت كارثة يونيو 1967م بخسائر جسيمة في المعدات؛ إذ فقدت جميع الوحدات والتشكيلات التي كانت في سيناء كل معداتها تقريبًا؛ إما نتيجة للقتال المباشر مع العدو، أو نتيجة لتدميرها لمنع وقوعها في يد العدو؛ لعدم القدرة على نقلها، ولعدم توفر الوقت اللازم؛ لذلك أصبح لا يتوافر لدى القوات المسلحة المصرية أي معدات ثقيلة: كالمدفعية والدبابات تجابه بها العدو".
"لقد تأكدت إسرائيل في اليوم الثالث للقتال مِن أنها دمرت القوات المسلحة المصرية، وأن القوات المصرية التي انسحبت إلى غرب القناة في هيئة فلول لم تحمل معها مِن أسلحتها إلا الأسلحة الخفيفة، وفي ضوء ذلك قدرت القيادة العسكرية الإسرائيلية أن مصر أمامها لتستعيد موقفها العسكري ما لا يقل عن عشر سنين".
وفقدت المدفعية المصرية تقريبًا معظم وحداتها المضادة للطائرات، وأجهزة الرادار التي كانت في سيناء؛ إذ عاد الكثير مِن الوحدات بدون معدات، في حين عاد البعض ببعض قطعٍ مِن المدفعية المضادة للطائرات، أما أجهزة الرادار وهي العصب الرئيسي لوحدات المدفعية المضادة للطائرات فكانت الأهداف الأولى لهجمات العدو الجوية، وما نجا منها لم تتمكن الوحدات مِن سحبه للخلف لثقلها، وحاجتها إلى وقت طويل نسبيًّا لتجهيزها للتحرك، ولم تيسر ظروف الانسحاب ذلك الوقت للوحدات؛ هذا بالإضافة إلى ما فقد مِن وحدات الصواريخ الموجهة م / ط أرض – جو؛ لعدم القدرة على سحبها للخلف مِن سيناء، أو ما فقد كنتيجةٍ مباشرةٍ لهجمات القوات الجوية الإسرائيلية عليها خلال أيام القتال.
حالة الدفاع الجوي المصري قبْل حرب 1967م:
كان الدفاع الجوي المصري يتكون مِن:
1- وحدات مِن المدفعية المضادة للطائرات مِن أعيرة مختلفة، تتدرج مِن الرشاشات 7و12 مم إلى المدفعية المتوسطة عيار 100مم، منتشرة في جميع الوحدات مِن مستوى كتيبة المشاة فأعلى، وكان جزء كبير منها مخصص للدفاع عن الأغراض الحيوية: كالمدن الكبرى، والمناطق الصناعية، والمواني المهمة، والكباري والقناطر، والخزانات والسدود؛ بالإضافة إلى الدفاع عن القواعد البحرية والجوية، والمواني والمطارات.
2- وحدات صواريخ "أرض / جو" مِن نوع (سام 2) معدل، تتمثل في 30 كتيبة تقوم بالدفاع عن منطقة القناة والقاهرة وشمال الدلتا، والإسكندرية وأسوان.
3- المقاتلات التابعة للقوات الجوية.
وكانت خطة الدفاع الجوي موضوعة بالتعاون مع المقاتلات، وتتبع جميع عناصر الخطة لقيادة قائد القوات الجوية والدفاع الجوي، فهو قائد القوات الجوية الذي يسيطر على عمليات المقاتلات، وهو الذي يقود المدفعية والصواريخ عن طريق قيادة شكلت لهذا الغرض باسم (قيادة مدفعية الدفاع الجوي).
دور الدفاع الجوي في حرب 1956م:
يُذكر للمدفعية المصرية المضادة للطائرات دورها الكبير في التصدي -رغم قلتها- لطائرات إنجلترا وفرنسا وإسرائيل في حرب 1956م، حيث كانت تدافع عن القوات البرية أثناء انسحابها مِن سيناء، فأدت دورها بنجاحٍ؛ مما ساهم في صلابة القوات البرية في القتال وفي الانسحاب مِن سيناء، كما أنها لم تمكِّن طائرات العدو مِن تدمير المعابر التي أقيمتْ على قناة السويس أثناء انسحاب القوات البرية إلى غرب القناة، فعبرت القوات البرية بنجاحٍ إلى غرب القناة، ومنعت تقدم القوات الإنجليزية والفرنسية مِن بورسعيد إلى الإسماعيلية، كما نجحت في الدفاع عن قاعدة الإسكندرية البحرية ومينائها، ولم يصب في هذه الحرب أي غرضٍ مِن الأغراض الحيوية السياسية والاقتصادية والعسكرية التي كانت تقوم بالدفاع عنها؛ حققت هذا النجاح رغم تخلفها وقتئذٍ عن الطائرات التي تعاملت معها مِن أنواع: "كامبيرا – ومستير - وسوبر مستير - وسي فينرم"، ويرجع هذا النجاح إلى أن رجال هذه المدفعية كانوا قد تمرسوا على هذه المدفعية خلال الحرب العالمية الثانية، وسبق لهم التصدي لهجمات دول المحور على مصر في هذه الفترة، فبلغوا درجة عالية في استخدام هذه المدفعية وتطويرها.
ورغم أن هذه الوحدات ظلت على ما هي عليه فلم تزد شيئًا مِن بعد الحرب العالمية، لكن جاء نجاحها في حرب 1956م؛ بسبب الأساس السليم الذي بنيت عليه، وبسبب كفاءة أفرادها.
وقد استفادت قيادات إسرائيل العسكرية مِن دروس حرب الصحراء 1940م -1945م، ومِن حرب سيناء 1956م؛ إذ تبيَّن لها أن أسس بنائها للجيش الإسرائيلي سليمة، وأن المطلوب منها إيجاد حالة مِن التفوق النوعي على الدول العربية، والتركيز في معارك الصحراء على الدبابات والطائرات، خاصة وأن مسرح قتالها مع الدول العربية -خاصة مصر- غالبيته مسرح صحراوي، وأن قواتها لا يمكنها العمل دون غطاء جوي للوقاية مِن القوات الجوية المعادية، فخططت على أساس الحصول على السيادة الجوية.
وعلى ذلك بدأت إسرائيل تعمل وبجد على تقوية قواتها الجوية، وبناء صناعة للطائرات معتمدة على خبرة تكنولوجية وإن كانت محدودة، مع مراقبتها المستمرة للتطور في وسائل الدفاع الجوي المصري، فتعاقدت إسرائيل مع فرنسا عام 1958م على صفقة 50 طائرة ميراج 3 سي، وعليه تم تزويد القوات الجوية المصرية بالطائرات الميج 17 و19 ثم 21.، وتزويد المدفعية المصرية المضادة للطائرات بالمدفعية م.ط. 57مم و100 مم.