شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بناء حائط الصواريخ (أيقونة الصمود والتحدي بعد هزيمة 1967م)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وفي أوائل الستينيات قامت القوات الجوية الإسرائيلية بالتعاقد على شبكة صواريخ مِن طراز (هوك) قادرة على التصدي لطائرات الميج 21 التي تمتلكها مصر، فقامت مصر بالتعاقد مع الاتحاد السوفيتي في 1963م لإدخال عددٍ مِن وحدات الصواريخ أرض - جو، والتي خصصت للدفاع عن المدن الهامة: "كالقاهرة – والإسكندرية – وأسوان".

ومع مشارف حرب 1967م كانت مصر تملك عددًا مِن المدفعية المضادة للطائرات وصواريخ "أرض - جو" ليس كبيرًا وليس محدودًا، مقارنة بما تمتلكه إسرائيل مِن قوات جوية، ورغم كثرة عدد طائرات القوات الجوية الإسرائيلية وقتها -والتي بلغت نحو 200 طائرة مقاتلة وقاذفة- فقد كانت هذه الطائرات -عدا طائرات الميراج- لا تتعدى سرعتها سرعة الصوت، وقدرتها على المناورة في الجو محدودة، وقدرتها أيضًا على حمل أسلحة الدمار محدودة، وكانت مصر تمتلك عددًا مماثلًا تقريبًا مِن الطائرات المختلفة لا تقل كفاءة عن الطائرات الإسرائيلية عدا الميراج 3 س.

وفي حرب 1967م قام تخطيط إسرائيل على توجيه ضربة جوية مفاجئة وشاملة لكل القواعد والمطارات المصرية لإرباك القيادة العليا المصرية، فيتحقق لإسرائيل السيادة الجوية، وتصبح قواتها البرية قادرة على العمل بحرية تحت ستار المعاونة الجوية، وهذا ما نجحت فيه إسرائيل نجاحًا فاق ما كانت تأمله وتتوقعه.

ويرى محللون عسكريون أن النجاح الكبير للضربة الجوية الإسرائيلية الشاملة في 1967م كان لأسبابٍ عديدةٍ، منها:

1- إن الإجراءات الواجب اتخاذها لتلافي مثل هذه الضربة لم تنفذ، وإن وضع الاستعداد لم يكن يتفق مع خطورة الموقف.

2- إن مصر لم تستفد مِن الناحية العسكرية مِن حرب الصحراء الغربية أثناء الحرب العالمية الثانية، ولم تستفد مِن الناحية العسكرية مِن حرب سيناء 1956م، مكتفية بما حققته مِن نصرٍ سياسيٍ فيها.

3- إن بناء القوات المسلحة المصرية مِن بعد حرب 1956م لم يستند إلى درجةٍ جيدةٍ مِن العلم العسكري أو الخبرة القتالية.

4- عدم الاستفادة مِن دروس القتال الدائر وقتها في فيتنام، والقصور الذي ظهر في دفاعها الجوي إزاء هجمات الطائرات الأمريكية عليها في الستينيات، وهو ما تلقت إسرائيل خبراته عند استخدام الطائرات الأمريكية والتدريب عليها مِن القوات الأمريكية.

5- إن مصر أخطأت في تقدير قدرات العدو وإمكانياته العسكرية، وكان الواجب الحذر مِن ذلك، ووضع العدو دائمًا -كما تؤكد عليه أسس العمل العسكري- في الموضع الأقل مِن جهة، وعدم التقليل مِن شأنه مِن جهةٍ أخرى، بوضع ما يتناسب مع قدراته وإمكاناته وأسلوب قتاله.

6- عدم استيراد أسلحة جديدة مناسبة وهي كثيرة، وعدم تطوير أسلوب استخدام الأسلحة الموجودة للحصول على الفائدة المرجوة منها بفاعلية أكثر لزيادة نسبة التدمير لطائرات العدو.

7- حالة الخمول والدعة التي كانت عليها القيادات المصرية مقارنة بما كان ينبغي أن تكون عليه حتى لا تمنى بهذه الهزيمة التي لم يعرف مثلها في تاريخ الحروب المصرية.

إن السلاح الجوي الإسرائيلي لم يجد في صباح يوم 5 يونيو وحدات الدفاع الجوي المصري مستعدة -أو قادرة- على التعامل معه فكانت الكارثة، ففقد الدفاع الجوي المصري الكثير مِن المدفعية المضادة للطائرات، وخسر 9 كتائب صواريخ كان منوط بها الدفاع عن منطقة القناة، أمكن بعدها إصلاح بعضها وإدخالها الخدمة مرة أخرى بواسطة المهندسين المصريين.

الحصول على سلاح جديد:

لإعادة بناء القوات المسلحة بعد هزيمة 1967م وصلت كميات كبيرة مِن المدفعية المضادة للطائرات غالبيتها مِن روسيا وبعض الدول الاشتراكية، لم تصل جملة واحدة، ولكن تباعًا. وبدأ تشكيل وحدات جديدة حسب السلاح المتيسر، ثم إرسالها للعمل على خط المواجهة أو للدفاع عن القواعد الجوية والمطارات بمجرد الانتهاء مِن تدريبها، ولم يتم أي تغيير في أسلوب عمل وتوزيع هذه الوحدات، رغم أن توزيعها كان مِن أسباب تمكن العدو مِن التعامل معها وتدميرها.

كان الوضع صعبًا للغاية؛ فلقد أصبح سلاح الجو الإسرائيلي سلاح الرعب الذي لا يمكن معه للقوات البرية تنفيذ أي مهمة قتالية، وبدأت قيادات الجيش الجديدة في العمل الجاد والتدريب الشاق لإيجاد وحدات قادرة على القتال في ضوء خبرة حرب 1967م.

خلال هذه الفترة كان هناك سريان لقرار وقف إطلاق النار بعد نهاية حرب يونيو 1967م، فلم تقع اشتباكات مع طيران العدو؛ إذ قنعت إسرائيل بما حققته مِن مكاسب، فكان نشاطها محدودًا فوق سيناء، ولكنها عمدت إلى تقوية قواتها الجوية وتحديثها بتزويدها بأحدث أنواع الطائرات الأمريكية مِن طراز فانتوم وسكاي هوك، واستغلال هذا التحديث في شن حرب نفسية قوية ضد الدول العربية، بزعم قدرتها الجوية على تدمير ما شاءت مِن الأهداف والأغراض، والوصول إلى أي هدف في أعماق الدول العربية.

مع أوائل 1968م تم نشر 7 كتائب صواريخ سام 2 معدل على خط المواجهة على طول القناة، وطوله 190 كم، فكانت أشبه بوحدات مبعثرة يسهل على العدو مهاجمتها وتدميرها.

ومع بداية حرب الاستنزاف في مارس 1968م قامت بعض وحدات الصواريخ المصرية بتدمير طائرات استطلاع هيلوكوبتر إسرائيلية؛ مما جعل العدو يقحم قواته الجوية في الاشتباكات، فهاجمت طائراته كتائب الصواريخ فدمرتها تباعًا، فلم يأتِ آخر يوليو 1969م حتى كانت الجبهة خالية تمامًا مِن كتائب الصواريخ المصرية! مع خسائر كبيرة نسبيًّا في رجال الصواريخ أضعفت الروح المعنوية، وثبطت الهمم، وأوقعت الحيرة في كيفية التعامل مع الطائرات الإسرائيلية بعد ظهور عدم القدرة على التعامل معها.

بدأت هجمات قوات العدو الجوية -والتي فرضت سيطرتها الكاملة على جبهة القناة- على وحدات مدفعية الميدان التي تقوم بضرب مواقع العدو في خط "بارليف" خلال حرب الاستنزاف، فواجهتها ببسالةٍ وشجاعةٍ وحدات المدفعية المضادة للطائرات مِن الأعيرة المتوسطة والرشاشات، وهي الوسيلة الوحيدة التي كانت متيسرة للتعامل مع العدو؛ فقللت مِن الخسائر التي كان يهدف العدو إلى إلحاقها بقواتنا، ولكن لم يكن تأثيرها كافيًا لإيقاف طائرات العدو، وكان لابد مِن تواجد وحدات صواريخ في الجبهة!

الصفحة السابقة الصفحة التالية