بناء حائط الصواريخ (أيقونة الصمود والتحدي بعد هزيمة 1967م)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
بدأ التفكير في وضع الصواريخ في مواقع محصنة مِن طرازٍ معينٍ، فقامت شركات المقاولات المصرية في ثلاثة أشهر -دون أن يفطن لها العدو- ببناء 4 مواقع تعطي وقاية كاملة للمعدات وأطقم الكتائب ضد القنابل زنة 500 -1000 رطل، وأدخلت في 5 ديسمبر 1969م قوة محدودة مكونة مِن كتيبتي صواريخ في قطاع الجيش الثالث الميداني، وتمكنت مِن المشاركة في قتال العدو بنجاحٍ محدودٍ، وأسقطت بعض طائراته، ولكن العدو سرعان ما تغلب عليها وأسكتها.
وفي تطوير جديد تم إدخال 6 كتائب صواريخ في مواقع ميدانية يوم 25 ديسمبر 1969م؛ أربعة كتائب أمامية، وكتيبتان خلفهما، مع حشد أكبر قدرٍ مِن المدفعية والرشاشات م. ط، وعناصر محدودة مِن الصواريخ "سام 7"؛ لتوفير الحماية لكتائب الصواريخ، وباكتشاف العدو للكتائب وتحديد أماكنها بدأ في مهاجمتها بعنفٍ، وتمكن بعد عدة ساعات مِن إسكاتها بعد أن دمرت له 5 طائرات، وهكذا انتهى في 25 ديسمبر 1969م تواجد وحدات الصواريخ المصرية مِن جديد، وللمرة الثانية بعد هزيمة 1967م.
دروس مستفادة:
لقد أظهرت معارك 1969م بيْن وحدات الدفاع الجوي والقوات الجوية الإسرائيلية:
1- قدرة المواقع المحصنة على وقاية الأفراد والمعدات.
2- فشل نظام الدفاع الخطي، بتواجد الوحدات على خطٍّ واحدٍ بفواصل كبيرة؛ مما يؤثر على التعامل مع الهجمات الجوية الحديثة التي تتميز بكثافة كبيرةٍ مِن الطائرات التي تطير على ارتفاعات منخفضة، فطول الفواصل والارتفاع المنخفض يضعف مِن قدرة الصواريخ على التعامل مع الطائرات المهاجمة.
3- ضرورة التدريب على التعامل مع الهجمات الجوية المكثفة والمحدودة، وعلى جميع الارتفاعات، خاصة المنخفضة.
4- إن الطائرات التي زودت بها إسرائيل مِن أمريكا لها قدرات فنية وتكتيكية عالية تقلل مِن كفاءة الصواريخ م. ط، كما لها قدرة عالية على تدمير الأهداف التي تهاجمها.
5- إن عصر المدفعية م. ط. قد انتهى وولى؛ إذ ظلت المدفعية على ما هي عليه، في حين قفزت صناعة الطائرات قفزات واسعة مِن تطوير سرعاتها لتصل إلى ثلاثة أمثال سرعة الصوت، مع القدرة العالية على المناورة للإفلات مِن النيران.
6- إن سماء أي دولة مفتوحة أمام الطيران الحديث، ولإيجاد دفاع جوي قادر على سد أجواء أي دولة مِن كل الاتجاهات، فإن تكلفته ستكون عالية جدًّا.
لقد أعطى نجاح إسرائيل خلال عام 1969م في تدمير الصواريخ المصرية بالجبهة مرتين في وقتٍ قصيرٍ ثقة كبيرة للإسرائيليين، وإن احتاجت في المرة الثانية إلى فترة أطول وحمولات مِن القنابل المدمرة مضاعفة إذا قورنت بالمرة الأولى؛ بسبب ما أضفته المواقع المحصنة على المعدات مِن وقاية يسرت لها بقاءً أطول في القتال، وكان لزامًا على إسرائيل أن تمنع دخول الصواريخ مِن جديدٍ للجبهة، وأن تتصدي لأي محاولات لتطوير السلاح الجوي المصري لتضمن استمرار سيادتها الجوية، فلجأت إلى عمل كمائن جوية في مناطق تختارها وتجبر القوات الجوية المصرية على الدخول في معارك غير متكافئة فيها، فيتم تدميرها، فتفقد مصر المزيد مِن الطائرات والطيارين.
كما قامت بعمليات الاستطلاع المستمرة على طول الجبهة لتحديد أماكن إنشاء أي مواقع جديدة وضربها، واستخدمت في ضربها قنابل (النابالم) الحارقة؛ لما تسببه مِن إشعال للقوائم الخشبية المستخدمة في الإنشاء، ونجحت في ذلك إلى حدٍّ كبيرٍ خلال الأشهر الأولى مِن عام 1970م؛ مما تسبب في خسائر مادية كبيرة في مواد البناء والمعدات، وخسائر بشرية في العمال مِن شركات المقاولين القائمين بعمليات الإنشاء، مما بث الرعب في أوساطهم، وتوقف العمل في إنشاء المواقع المطلوبة لفترات، فلم يتم خلال 4 أشهر إلا بناء 3 مواقع وإصلاح 3 آخرين مِن المواقع المدمرة.
ومع وصول وحدات صواريخ روسية جديدة في مارس 1970 م تم نشرها في بعض المواقع في العمق، والاستغناء عن وحدات المدفعية م. ط. فيها، وبالتالي نقلها مِن العمق إلى الجبهة، فتم حشد حوالي ألف مدفع مِن الأعيرة المختلفة على طول خط المواجهة، ولكن تبين عند مشاركتها في أعمال القتال اليومية قلة ما تحدثه مِن خسائر في طائرات العدو رغم كبر حجمها، لتخلف نوعياتها بالمقارنة بتطور طيران العدو، فكان لابد مِن إدخال الصواريخ إلى الجبهة مِن جديدٍ، فشاركت جميع التشكيلات الميدانية وبجهودٍ خارقةٍ في إنشاء مواقع ميدانية ومحصنة في أقصر وقت ممكن في حماية المدفعية المضادة للطائرات والتي كانت موجودة على مستوى كل الوحدات المقاتلة، واعتبرت المسئولة عن توفير الحماية للقوات والأغراض على طول الجبهة في تلك الفترة، وقد تكبدت المدفعية في معاركها اليومية خسائر كبيرة نسبيًّا في الأفراد والمعدات رغم بسالة وقوة رجالها، ومحاولات تعديل أسلوب الاشتباك وتطوير أساليب إدارة النيران، في ظل الرصد الدائم والقصف المتواصل مِن طيران العدو الذي يتمتع بالسيادة الجوية على طول الجبهة، خاصة بعد تسلم طائرات أمريكية جديدة في أوائل عام 1970م مِن أنواع الفانتوم، وسكاي هوك بقدراتها الفائقة.
ثم تقرر في سريةٍ تامةٍ إدخال وحدات الفرقة الثامنة دفاع جوي إلى جبهة القتال بدءًا مِن منتصف مايو 1970م بعد تجميعها وتجهيزها ورفع كفاءة معداتها في العمق (في القاهرة) وتحريكها في مواجهة العدو، في ظل حماية تجميع صواريخ القاهرة.
أول لقاء جوي لحائط الصواريخ مع العدو:
- بالفعل فوجئ العدو صباح يوم 30 يونيو بوجود وحدات صواريخ في الجبهة، وقيامها بأول لقاء جوي مع العدو؛ ففي 30 يونيو 1970م هاجم العدو تجميع صواريخ الفرقة الثامنة دفاع جوي بعد رصدها وتحديد أوضاعها بنحو 16 طائرة فانتوم، وسكاي هوك، فتم تدمير طائرتين وأسر 3 طيارين، ثم هاجمت 24 طائرة وحداتنا في مجموعات متتالية على ارتفاعٍ منخفضٍ جدًّا فوق البحيرات المرة في اتجاه مدينة (فايد) فنجحت في الاقتراب مِن الكتائب الأمامية قبْل اكتشافها؛ مما أدى إلى تدمير كتيبتين.
- بعد تريث وأعمال خداع وتضليل هاجم العدو في 2 يوليو 1970م اللواء 95 صواريخ فأصاب كتيبة، ولم تتمكن الوحدات مِن إصابة طائرات العدو.
- في 3 يوليو اكتفى العدو بمهاجمة القوات البرية دون الاقتراب مِن تجميع الصواريخ ومهاجمته.