شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إعادة بناء القوات الجوية (ذروة التحدي بعد هزيمة 1967م)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تسببت الضربة الجوية الشاملة المفاجئة التي قام بها سلاح الطيران الإسرائيلي صبيحة يوم الاثنين 5 يونيو 1967م على المطارات والقواعد الجوية المصرية في إصابة نحو 80% مِن الطائرات المصرية، والتي كان كثير منها رابضًا على الأرض، ومنها ما كان بداخلها طياريها؛ مما أعطى السيادة الجوية للطيران الإسرائيلي بعدها، ومكَّن القوات البرية الإسرائيلية مِن احتلال سيناء في ظل حالة الارتباك والفوضى التي عمَّت وحدات الجيش المصري التي وجدت نفسها بدون غطاءٍ جوي في مواجهة القوات البرية الإسرائيلية المدعومة جوًّا، خاصة بعد صدور قرار الانسحاب مِن سيناء، والذي تم تنفيذه بصورةٍ غير منظمة، ترتب عليها خسائر فادحة في الأفراد والمعدات التي كانت مكشوفة تمامًا للعدو الجوي.

جاءت نتائج الضربة الجوية وأيام الحرب الستة في يونيو 1967م فظيعة للغاية؛ إذ كانت الخسائر كبيرة خاصة في سلاح الطيران المصري، خسائر فادحة فاقتْ ما كان العدو يتوقعه أو يأمله؛ لذا بات مِن المؤكد عند الكثيرين -كما صرَّح بذلك قادة إسرائيل العسكريون وكبار الخبراء العالميون- أن السيادة الجوية في المنطقة باتت للطيران الإسرائيلي، والتي باتت ذراعه الطويلة تستطيع الوصول إلى أي هدفٍ أو غرضٍ تريد الوصول إليه داخل الدول العربية بلا مقاومةٍ تقدر على منعه، وأن استعادة سلاح الطيران المصري لعافيته تحتاج لسنواتٍ طويلةٍ لا تقل عن عشر سنوات، تكون اليد العليا فيها مطلقة للجيش الإسرائيلي.

وتمادى "موشى ديان" وقتها في غروره وصلفه، فقال في أحد تصريحاته للصحفيين: "إنه يجلس بجوار التليفون ينتظر اتصال العرب به ليملي عليهم شروط إسرائيل على العرب؛ لإنهاء حالة الحرب في المنطقة!".

كانت استعادة القوات الجوية المصرية لعافيتها، وقدرتها على التصدي مِن جديدٍ للطيران الإسرائيلي، ثم قيامها بتوجيه الضربة الجوية المفاجئة في حرب 6 أكتوبر 1973م التي مهدت للنصر الكبير ملحمة عظيمة، تعد بحق ذروة المقاومة والتحدي للعدو، وتعبير بليغ عن قدرة الشعب المصري على الصمود والتحمل، ملحمة سلاح مهزوم تحول مِن حالة هزيمة قاسية بضربة مفاجئة في 1967م أفقدته معظم قدراته إلى سلاحٍ منتصرٍ انتصارًا رائعًا؛ حققه بضربة مفاجئة للعدو في 1973م أفقدت العدو تركيزه.

كيف تم ذلك في نحو 6 سنوات فقط؟!

هذا ما سنحاول أن نشير إليه في عجالة.

نظرة على حرب يونيو 1967م:

خططت إسرائيل خاصة بعد حرب 1956م لبناء سلاح طيران قوي، واستفادت مِن دروس هذه الحرب، إذ نفذت في ضربتها الجوية نفس الطريقة التي هاجمت بها الطائرات الإنجليزية والفرنسية مصر عام 1956م بالدخول مِن غرب مدينة بورسعيد وشرق دمياط -حيث بحيرة المنزلة التي تغطي مساحة كبيرة مِن شمال الدلتا، وتعد ثغرة طبيعية في حزام الأمن المصري- لضرب المطارات والقواعد الجوية والأهداف الحيوية المصرية، وكانت المعركة بيْن سلاح الطيران المصري والطائرات الإنجليزية والفرنسية معركة غير متكافئة؛ لذا قررت القيادة المصرية في عام 1956م عدم دخول الطيارين المصريين في اشتباكات غير متكافئة مع طائرات العدو ستؤدي حتمًا إلى فقد مصر لسلاح الطيران بدون نتيجة تذكر.

وتم الاكتفاء وقتها بتصدي قوات المدفعية المصرية المضادة للطائرات لطائرات العدو، وبالفعل أبلت قوات المدفعية بلاءً حسنًا في حدود قدراتها وخبراتها، فقد كان أفرادها بمعداتهم ممَن تصدوا للطائرات الألمانية في غاراتها على مصر خلال الحرب العالمية الثانية، ورغم أن معداتهم كانت قليلة ومتخلفة نسبيًّا أمام طيران العدو، لكن كفاءتهم وتطويرهم لأساليب استخدام النيران عوضت هذا القصور؛ فكان لهذه المدفعية دور كبير في حرب 1956م في منع طيران العدو مِن إصابة الأهداف العسكرية والحيوية والاقتصادية في عمق مصر، خاصة وأن طائرات العدو كانت تطير في ارتفاعات تقليدية -غير منخفضة- ونوعياتها ليس لها -وقتها- قدرات كبيرة على المناورة.

أما في يونيو 1967م:

فكان سلاح الطيران الإسرائيلي يماثِل تقريبًا قوة سلاح الطيران المصري، ولكنه كان مدربًا تدريبًا عاليًا، ولديه نوعية مِن الطائرات التي تملك القدرة على التحكم في الطيران المنخفض، والتي تعجز الرادارات المصرية وقتها عن رصد طيرانها المنخفض، وبالتالي عدم سرعة الإبلاغ عنها والتحذير منها، كما أن فيها طائرات حديثة لها سرعات كبيرة وقدرة عالية على المناورة.

لم تستفد مصر مِن دروس حرب 1956م، فلم تطور معدات المدفعية المضادة للطائرات لتتعامل بقوة مع طيران العدو بطائراته المتطورة عن حرب 1956م، ولم تطور نفسها بصواريخ دفاع جوي تناسِب ما عند العدو مِن قدراتٍ جوية، ولم تطور وتنوع وسائل الإنذار مِن رادارات ووسائل إنذار مبكر جيدة تناسِب العدو المتاخم لها رغم قربه منها، ورغم اتساع السواحل المصرية على البحر الأبيض المتوسط مِن سيناء إلى شمال الدلتا وسواحلها على طول البحر الأحمر، فكان التركيز على الجهة الشرقية مِن قناة السويس، وتركت ثغرات كبيرة وخطيرة خارجها.

لم تكن القيادة العسكرية المصرية في يونيو 1967م على قدر المسئولية الملقاة على عاتقها لمواجهة إسرائيل، فلم تطور نفسها ولم تتعلم مِن دروس حرب 1956م، ولم تتعامل التعامل المطلوب مع التطور الكبير الذي شهدته صناعة الطائرات الغربية في الفترة بيْن حربي 1956م و1967م، ولم تقدر إمكانيات العدو وقدراته وهو يتربص بها، فلم تعد نفسها جيدًا لمواجهته، والتغلب عليه.

ولعل مِن أكبر أسباب ذلك: عدم التجديد في القيادات العسكرية المصرية، وبقاء القيادات في مناصبها لسنواتٍ طويلة دون تجديدٍ، وبالتالي تجميد المناصب وتجميد ما تحت يدها مِن قوات، مع العمل بمبدأ تقديم أهل الثقة مِن القيادات على أهل الخبرة والكفاءة! ليتولى القيادة أفراد ليسوا أهلًا لتولي مسؤوليتها؛ فلم يطوروا أو يجاروا الابتكارات الخلاقة في فنون القتال وعلومه، وظهرت منهم وقت الحرب أخطاء لا يتردى فيها أي دارس لأولويات العسكرية الإستراتيجية المتطورة.

الصفحة التالية