إعادة بناء القوات الجوية (ذروة التحدي بعد هزيمة 1967م)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
ولم تكن القيادة السياسية المصرية أيضًا على قدر المسؤولية في حرب يونيو 1967م، وهي تتردد في وضع الجيش المصري بيْن حالة الهجوم وحالة الدفاع، فمِن استدعاء قوات مصرية مِن اليمن في استعراض إعلامي مكشوف للعالم بأسره ومنهم العدو، وحشد القوات في سيناء بمئات الألوف مدعمة بالأسلحة الثقيلة استعدادًا للحرب، وإصدار الأوامر بالإعداد للهجوم، ثم التريث والانتظار تلبية لرغبة وضغط الدولتين الكبار -أمريكا وروسيا- في عدم بدء أحد الطرفين -مصر وإسرائيل- بالقتال بعد كل هذا الحشد، وبعد كل التصريحات النارية بالقدرة على الحرب وعلى الانتصار فيها، لتترك القيادة السياسية جيشها محتارًا بيْن اتخاذ وضع الهجوم المتحفز للحرب والقتال أو وضع الدفاع المتريث المنتظر، ولكل وضع منهما متطلبات تختلف تمامًا عن الآخر، بل تصور المصريون أن أمامهم أيامًا عديدة لمباحثات وتدخلات سياسية قبْل الشروع في حرب، فجاءت فترة مِن الاسترخاء على الجبهة في انتظار ما ستسفر عنه الأيام.
وانتهزت إسرائيل هذه الفرصة الذهبية، ونفذت ضربتها الجوية الشاملة المفاجئة، ونجحت فيها نجاحا كبيرًا؛ فاتبعت خطة إنجلترا وفرنسا في دخول عمق مصر مِن جهة بحيرة المنزلة -غرب بورسعيد وشرق دمياط- على ارتفاعاتٍ منخفضةٍ تعلم أن الرادارات المصرية بالحالة التي هي عليها لن ترصدها، لتضرب في لحظات كل المطارات والقواعد الجوية المصرية القريبة في القناة والدلتا والقاهرة، ولتضرب في دقائق المطارات البعيدة في المنصورة وبني سويف، وهي مطارات وقواعد لم تكن بالعدد الكبير، وكانت معروفة بتفاصيلها جيدًا للعدو؛ إذ لم تشهد أي تطوراتٍ كبيرةٍ مِن بعد الحرب العالمية الثانية وحرب 1956م؛ فلما تبنَ مطارات جديدة سرية، أو تغير معالم القديمة منها!
وأمام كثرة الطيران الإسرائيلي وقلة أعداد المطارات والقواعد الجوية تم تدمير كل الطائرات المصرية التي تُركت مكشوفة على الأرض هدفًا سهلًا للعدو بدون اعتراض، وبدون أي صور مِن صور التمويه والخداع باستخدام الطائرات الهيكلية التي تضلل الطيار المعادي، وتبعد ضربته عن الطائرات الحقيقية، ولو كانت طائرات القواعد الجوية والمطارات العسكرية داخل دشم حديثة محصنة قوية البنيان لتغيرت الصورة كثيرًا، وهكذا بدأت فصول المأساة.
في حرب 1967م: طبقت إسرائيل مبدأ (بوفر) الإستراتيجي الشهير المعروف في الفكر العسكري باسم مبدأ (السيادة الجوية) الذي يرى أن العدو الذي ينجح في تدمير أجهزة ووسائل دفاعات عدوه الثابتة منها والمتحركة يضمن لطيرانه الحرية الجوية الكاملة، وبها يستطيع إخراج طيران عدوه مِن المعركة قبْل أن تبدأ، وتمزيق دفاعاته الثابتة التي لن تجد معونة مِن الدفاعات الجوية المتحركة، والانطلاق بحرية بعدها لتدمير باقي الأهداف الإستراتيجية للعدو، والقضاء على القوات البرية المعادية التي تكون معنوياتها قد تحطمت.
صمود الطيران المصري:
لعل الخطأ الذي وقعت فيه إسرائيل -إن جاز القول بذلك- أنها اكتفت بتدمير معظم الطائرات المصرية وإتلاف ممرات المطارات والقواعد الجوية، ولم تضرب تجمعات الطيارين والفنيين المصريين في الأماكن التي قاموا بقصفها، فلم يكن ذلك مِن أهدافهم، مع أن الشلل الحقيقي للقوات الجوية والبرية على السواء هو القضاء على العنصر البشري المدرب فيها، والذي معه يستحيل النهوض مِن جديدٍ إلا بعد سنواتٍ وسنواتٍ مِن التعليم الكافي والتدريب الجيد إذا قُدر له أن يقوم مِن جديدٍ.
وقد بدأت مرحلة الصمود التي تشهد للمقاتل المصري بالشجاعة والفدائية خلال أيام الحرب الست في يونيو 1967م، فرغم الهزيمة الفادحة، والانسحاب المخزي، وتحطم معظم السلاح الجوي المصري، فإن سجلات غرف العمليات في أيام المعركة تسجل أن الطيران المصري المجروح بجرحه البالغ لم يختفِ عن المعركة، فقام الطيارون المصريون باستخدام ما بقي مِن الطائرات السليمة أو تم إصلاحه سريعًا مِن الطائرات المصابة إصابة جزئية بعددٍ مِن العمليات الجريئة أشبه بالانتحارية للصمود والتصدي لطيران العدو المكتسح في معارك قطعًا لم تكن متكافئة.
فمِن أمثلتها:
- في صباح يوم 6 يونيو -ثاني أيام المعركة- اندفع رائد طيار بطائرته (السوخوي) في عمق إسرائيل ليقصف أحد المطارات الإسرائيلية فيدمر طائرتين على أرض المطار وعددًا مِن السيارات والمنشآت، وينجح في الإفلات مِن مطاردة طائرات العدو، لكنه يستشهد بعد وصوله للأجواء المصرية لنفاد وقود الطائرة.
- وفي 7 يونيو تصدر الأوامر لطائرتين: الأولى لرائد طيار، والثانية لنقيب طيار، لاعتراض عملية إسقاط قوات مظليين إسرائيليين في منطقة الممرات بسيناء، فينجح الأول في إسقاط طائرة نقل بحمولتها مِن الرجال المظليين، وأخرى ميراج، ويعود سالمًا. وينجح الثاني في إسقاط ثلاث طائرات: اثنتين مِن الناقلات، والثالثة ميراج قبْل أن يستشهد بعد عودته بسبب حفرة في ممر مطار (فايد).
وفي 8 يونيو يشتبك رائد طيار وزميله ملازم أول طيار بطائرتيهما الميج 19 مع اثنتي عشرة طائرة إسرائيلية مِن طراز الميراج قرب مطار (المليز) فيصيبا أربع طائرات، ويفر الباقي بعد معركة جوية شرسة، ومع نفاد الوقود هبطا بالمظلة، فجرح أحدهما ونجح في العودة، ووقع الآخر أسيرًا، وأطلق سراحه بعد انتهاء الحرب.
وفي يومي 14 و15 يوليو 1967م -خلال فترة النقاهة بعد الهزيمة- كانت هناك عمليات إسرائيلية في سيناء لتشوين مؤن وذخائر وجلب عتاد مِن الخطوط الخلفية للمقدمة استعدادًا لعملية جديدة بعد ساعات، فتقرر ضربها، ومع اندلاع نيران القتال شاركت القوات الجوية المصرية بطلعاتٍ هجومية، تم فيها تدمير الأهداف المطلوبة بالكامل.
إعادة البناء والتحدي:
قامت القوات الجوية مِن بعد الخروج مِن هزيمة يونيو 1967م وحتى الدخول في حرب أكتوبر 1973م بمجهودٍ جبار لإعادة بناء القوات الجوية بالكامل، والقيام بأعباء التصدي للعدو المتغطرس، والمشاركة في عمليات حرب الاستنزاف، ثم التحضير والاستعداد الجيد المتقن لمعركة التحرير في هذا الوقت القصير.
فمما اتخذته في تلك الفترة: