تأملات في حجة الوداع (8)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تضَمَّن حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في قصة هاجر وابنها إسماعيل -عليهما السلام- مِن حكم التوحيد والإيمان ما يحيي القلوب؛ فينبغي للساعي بيْن الصفا والمروة أن يستحضرها لينتفع بالسعي؛ كما كان السعي مِن هاجر سببًا لحياتها وحياة ابنها، وتحقيق الغاية مِن الرحلة الطويلة التي سافر بهم إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِن أجلها ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ) (إبراهيم:37) ؛ فكان هدف الرحلة -تعمير هذه البقعة المُقَدَّسَة حول بيت الله الحرام قبْل بنائه-: إقامة الصلاة.
فتأمَّل في هذه الدعوة التي غَيَّرَت وجهَ الحياة في العالم كله بارتباطه بهذه البقعة المُقَدَّسة، ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (إبراهيم:37) ؛ فالشكر هو الغاية المقصودة، فلم يقل إبراهيم -عليه السلام-: "وارزقهم مِن الثمرات لعلهم يعيشون أو يطعمون أو يشبعون"؛ إنما قال: ( لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ )، فأحوال القلوب هي الغاية مِن أرزاق الدنيا عند أهل الإيمان.
ولنتأمل في رضى هاجر -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- بالرحلة الطويلة مِن الشام إلى مكة في ظروفٍ لم تتهيأ، وسفر بيْن جبالٍ وقِفار، في وقت كان سكان الأرض مِن البشر نسبة ضئيلة مما هم عليه الآن، فضلًا عن سكان الجزيرة العرب الصحراوية، سافرت مع أبي ولدها في غير وسائل المواصلات المُعَدَّة كالموجودة الآن، ولا أماكن راحة وطعام وشراب وطرق ممهدة، بل الجبال والصحراء على طبيعتها التي خَلَقَها الله، ثم تصل إلى مكانٍ موحشٍ لا أنيس فيه ولا أحد.
وتأمَّل بدايتها بالأنيس -وهي مصرية تحب الأُنس- وقالت لإبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ( يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ؟! ) (رواه البخاري) .
ولما كان الاستفهام استنكاريًّا لا يليق مثله بالخليل -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ لأنه يتضمن تهمة خفية هي بالقطع منتفية عن الحليم الأواه المنيب، الذي يبحث عن نجاة المجرمين ويجادل ربه في محاولة لتأخير العذاب عنهم لعلهم أن يتوبوا، ( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ . إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ) (هود:74-75)، حتى يأتيه الأمر مِن الله -عَزَّ وَجَلَّ- بأن هؤلاء قوم لا يصلح معهم ما يريد ( يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) (هود:76) ، إذا كان إبراهيم يقول داعيًا لمَن عصاه: ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (إبراهيم:35-36)؛ فكيف تكون رحمته ورأفته وحنانة لولده البكر الوحيد الرضيع الذي رزقه الله إياه على الكبر، استجابة لدعوة قديمة ظل ينتظر إجابتها عشرات السنين مِن حين هاجر وهو شاب فتى مِن بلده إلى الله؟! ( وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ) (الصافات:99-100) ؛ فتأخرت الإجابة إلى الكبر.
إنَّ كِبَر السن سببٌ بمجرده لمزيدٍ مِن الحنان والعطف، وصغر الرضيع سبب لمزيد الرأفة والرحمة، والسُرِّية المطيعة -أُمُّ الولد- المرتبطة بإبراهيم أعظم مِن ارتباطها بأبيها وأمها وأهلها ووطنها سببٌ لرحمتها، ثم هي أُمُّ الولد الأول والوحيد وهي في مرحلة الرضاع؛ إن المشاعر الإنسانية العادية تقتضي تضاعف الرحمة؛ فكيف بالخليل الرحيم الأواه الحليم؟!
ومع كل هذا كانت الاستجابة لأمر الله، لتعمير مكة المكرمة ونشأة الحياة فيها لتحقيق العبودية، ليأتي ملايين الملايين مِن البشر عبْر الزمان مِن كل مكان، ومِن كل فَجٍّ عميق إليها؛ ليقيموا الصلاة ويعبدوا الله؛ فيرضى إبراهيم أن يضع وَلَدَه وأُمَّ وَلَدِه ويتركهم، مع جراب تمرٍ وقربة ماء؛ وهذه هي الأسباب الممكنة وهي لا تغني شيئًا في الحقيقة.
وتأمَّل كيف كان ترك إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- الجواب عن سؤال أم إسماعيل -ثلاث مرات- لما كانت الصيغة غير مُناسِبة، بل لم يلتفت إليها حتى تعلمتْ وانتبهت؛ فهناك تعليم بالكلام وهناك تعليم وإنكار بالسكوت والالتفات وتعبير الوجه.
تربيه عظيمة أيقظت السؤال الواجب في قلب هاجر؛ فقالت بعد انتباهها: ( آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ )، فهنا التفت إليها إبراهيم ورَدَّ عليها بـ: ( نَعَمْ ). فقالت: ( إِذًا لاَ يُضَيِّعُنا )، أيّ ثقةٍ هذه مِن إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ- في ربه -عَزَّ وَجَلَّ-؟! وأيّ ثقةٍ ورضا مِن هَاجَر -وهي ليست بنبية- في ربها -عَزَّ وَجَلَّ- أنه لا يضيع مَن أطاعه؛ فهل نحقق ذلك في قلوبنا حين نطيع الله -عَزَّ وَجَلَّ- ونحن نرى أضرارًا فيما يبدو للناس مِن الطاعة؟ هل نوقن بأنه لا يضيع مَن أطاعه؟ وهل يظن مؤمن بربه خلاف ذلك؟!
ثم لنتأمل في أخذها بالأسباب في أَكْلِها مِن التمر وشُرْبها مِن الماء حتى نفذ؛ لنعلم أن الأخذ بالأسباب واجب، لكنها تنقطع وتنتهي فلا بد لها مِن نهاية؛ فلا يجوز أن نتعلق بها أو نتوكل عليها، وقد تأخَّرَ الفرجُ حتى عطشت وعطش ابنُها وأشْرَفَ على الهلاك حتى كَرِهَتْ أن تنظر إليه وهو يموت، ثم شَرَعت في أسباب أُخَر في البحث عن غوثٍ لها ولابنها الذي يحتضر عطشًا؛ فكان الصعود على الصفا وهي مجهودة، في ظل شمسٍ شديدة الحر، وطبيعةٍ جبلية صخرية تحيط بها مِن كل مكان، لكن هذا هو المقدور عليه.